#
  • فريق ماسة
  • 2026-01-20
  • 1278

إعادة هندسة الدولة: نحو نموذج لامركزية حديثة لسوريا المستقبل

بقلم الدكتور عمار دلول /صحيفة الثورة السورية

يُطرح اليوم، أكثر من أي وقت مضى، سؤال شكل الدولة في سوريا: كيف تُدار؟ وكيف تُوزَّع الصلاحيات فيها؟ وما هو النموذج القادر على احتواء تنوّعها الاجتماعي والمناطقي، وفي الوقت نفسه الحفاظ على وحدتها بوصفها كياناً سيادياً غير قابل للتجزئة؟

إنّ الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تكون نظرية ولا تراكمية، بل يجب أن تستند إلى التجارب المقارنة التي خاضتها دول نجحت في الانتقال من المركزية المشدّدة إلى نظم أكثر مرونة وشفافية، دون الوقوع في فخّ التقسيم أو الانكفاء المحلي.

لقد قدّمت فرنسا مثالاً واضحاً على هذا التحوّل؛ دولة موحّدة تاريخياً، لكنها تبنّت منذ ثمانينيات القرن الماضي إصلاحات جوهرية أعادت توزيع الصلاحيات بين المركز والمجتمعات المحلية.

وقد ثُبّت هذا المسار دستورياً في تعديل 2003 الذي أقرّ بأن تنظيم الجمهورية “لا مركزي”، مانحاً البلديات والمحافظات والأقاليم صلاحيات مالية وإدارية واسعة مع احتفاظ الدولة المركزية بسلطاتها السيادية الكبرى.

وبدرجة متفاوتة، عبّر الأردن عن الاتجاه ذاته عبر إنشاء مجالس محلية ومحافظات منتخبة تُدير شؤون التنمية والخدمات، ضمن إطار دولة تبقى سيادتها موحدة. وعلى الطرف الآخر من الطيف، تظهر الفيدرالية بصيغتها الكلاسيكية كما في سويسرا، حيث تحظى الكانتونات بسلطات تشريعية وإدارية واسعة، وتتمتع بهياكل حكم محلية تشمل الحكومات والبرلمانات وقوانين الضرائب والموارد.

وفي الخليج، تقدّم الإمارات نموذجاً خاصاً من الفيدرالية، يجمع بين اتحاد قوي في الملفات السيادية، وإمارات تملك حرية واسعة في إدارة شؤونها الداخلية ومواردها.

هذا التنوع في النماذج يكشف أن العلاقة بين المركز والأطراف ليست معادلة واحدة، بل طيفاً واسعاً من الخيارات الدستورية. وعند إسقاط هذه النماذج على سوريا، يصبح من الضروري إدراك خصوصية الحالة السورية.فالتجربة التاريخية السورية قامت على مركزية صارمة تمحورت حول العاصمة، وتراكمت على مدى عقود بحيث احتكرت السلطة التنفيذية والتشريعية والمالية والأمنية معاً.

وقد أدّى هذا الاحتكار إلى غياب التمثيل الفعلي للمجتمعات المحلية، وإلى تفاقم الفوارق التنموية، فضلاً عن إضعاف الثقة بين الدولة ومواطنيها.من جهة أخرى، يكشف واقع ما بعد الحرب عن مطالب متباينة:

رغبة في إدارة محلية للموارد والخدمات، حاجة لحماية الخصوصيات الثقافية واللغوية، وخشية من أن تتحول الفيدرالية – إن طُرحت بشروط غير ناضجة – إلى مسار يؤدي إلى التفكك أو تكريس مناطق النفوذ.

ولذلك فإنّ الانتقال إلى نموذج فيدرالي كامل، على غرار التجربة السويسرية أو الألمانية، يبدو مرتفع التكلفة سياسياً ومؤسسياً، وغير متناسب مع مستوى الثقة بين المكوّنات السورية اليوم.وفي الوقت نفسه، فإن العودة إلى المركزية الشديدة باتت شبه مستحيلة، لأنها لم تعد قادرة على إنتاج استقرار أو شرعية أو تنمية.

من هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة ثالثة: لامركزية إدارية ومالية عميقة داخل دولة موحّدة. هذا النموذج يوفّر آليات عملية لإشراك المجتمعات المحلية في إدارة شؤونها دون المساس بوحدة السيادة.

ويبدأ بتعديل دستوري صريح يقرّ بأن تنظيم الدولة “لا مركزي”، بما يسمح بإنشاء مجالس محافظات منتخبة تمتلك صلاحيات فعلية في التنمية والتخطيط وإدارة الإيرادات المحلية والتعاقد على مشاريع البنى التحتية والخدمات، إضافة إلى بناء بلديات قادرة على الإدارة الفعلية وليس الشكلية.

إن جوهر هذا النموذج يكمن في إعادة توزيع الوظائف بين الدولة المركزية والمجتمعات المحلية: تبقى الملفات السيادية

-الدفاع والخارجية والتشريع الوطني العام والمالية العليا

- في يد الدولة المركزية، بينما تُفوّض الخدمات الأساسية، وإدارة الموارد المحلية، والرقابة على المشاريع، والإيرادات الجزئية إلى وحدات محلية منتخبة، مع وجود نظام رقابة قضائية وإدارية يمنع الانحراف والفساد دون تحويله إلى وصاية سياسية.ويمكن، بعد سنوات من التطبيق الناجح، الانتقال إلى مستوى أعلى من اللامركزية عبر إنشاء أقاليم تنموية تمنح صلاحيات تنظيمية وتشريعية فرعية أوسع، مع الاحتفاظ بتشريع وطني موحّد.

أما المناطق ذات الخصوصية الثقافية أو اللغوية، فيمكن منحها ترتيبات خاصة في التعليم والتمثيل المؤسسي، ضمن إطار واضح يضمن وحدة الدولة ويمنع أي تحوّل لهذه الخصوصيات إلى مسار انفصالي أو كيان مستقل.

إن إعادة هندسة الدولة السورية على هذا الأساس ليست فقط استجابة للحظة سياسية، بل هي خطوة بنيوية لإعادة بناء العقد الوطني على قواعد جديدة: إدارة محلية فعالة، توزيع عادل للموارد، شفافية رقابية، وتمثيل حقيقي للمجتمع في مؤسساته.

هذه المقاربة تُعيد تعريف العلاقة بين المركز والأطراف، وتمنح المجتمعات المحلية القدرة على إدارة شؤونها، من دون أن تفقد الدولة قدرتها على حماية وحدتها وسيادتها.

إنّ مستقبل سوريا لا يُصاغ عبر استنساخ نماذج جاهزة، بل عبر بناء نموذج سوري خاص، يأخذ من التجارب العالمية عناصر قوتها من دون أن ينقل أزماتها.

وفي تقديري، فإن اللامركزية الحديثة – بصيغتها الإدارية والمالية الموسّعة – هي الخيار الأكثر واقعية لبلد يحمل تنوّعاً واسعاً وتجارب قاسية، ويحتاج إلى إعادة بناء هادئة ومسؤولة لعلاقته بالدولة ومؤسساتها.



المصدر : الدكتور عمار دلول /صحيفة الثورة السورية


اكتب تعليق

كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة