دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
شكّل الأديب والمسرحي الفلسطيني الراحل أكرم شريم واحداً من الأسماء الثقافية البارزة التي جمعت بين الإبداع الفني والالتزام الإنساني والوطني، عبر مسيرة حافلة امتدت لسنوات طويلة، تنقّل خلالها بين المسرح، والدراما، والكتابة، والترجمة، تاركاً أثراً واضحاً في المشهد الثقافي العربي.
الراحل الذي نعته الأوساط الثقافية والأدبية في سوريا وفلسطين أمس الإثنين عن عمر يناهز 83 عاماً يعتبر إحدى القامات المؤسسة في العمل النقابي والإبداعي، إذ كان عضواً مؤسساً في اتحاد الكتاب العرب بدمشق منذ عام 1969، وعضواً مؤسساً كذلك في اتحاد الصحفيين واتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين.
بصمته في المسرح
في المسرح،ترك شريم بصمته الأبرز من خلال إسهامه في المسرح المقاوم، حيث أسس المسرح الوطني الفلسطيني في دمشق عام 1973، وتولى إدارته وكتابة نصوصه، ومن بين أبرز أعماله المسرحية مسرحية “حكاية هذا الحي” التي جابت عدداً من العواصم العربية، إضافة إلى حضوره اللافت في مسرح الطفل، ولا سيما مسرحية “ممتاز يا بطل” التي قُدمت على خشبة مسرح القباني بدمشق عام 2011.
أثر أدبي يتجاوز الجغرافيا
لم تقتصر إبداعات شريم على الفضاء العربي، بل وصلت إلى العالمية، حيث تُرجمت قصته “الأرض” إلى اللغة الفرنسية، وقصة “مفتش التأمينات” إلى الألمانية، كما حقق مسلسله الشهير “أيام شامية”، الذي أنتجه التلفزيون العربي السوري نجاحاً استثنائياً، وتُرجم إلى عدة لغات عالمية.
مؤلفات ترصد الإنسان والقضية
وأثرى الراحل المكتبة العربية بسلسلة من المؤلفات النوعية، بدأت عام 1967 بمجموعته القصصية الأولى “لم نمت بعد” الصادرة في القاهرة، لتتوالى بعدها أعماله التي عكست آلام وآمال الإنسان الفلسطيني والعربي، ومن بينها: “السجناء لا يحاربون” و “أسرى الوباء” (قصص قصيرة)، و”هذا الحب العالمي” (مجموعة قصصية)، إضافة إلى مشروع “أدب النصيحة” بأجزائه الأربعة، وهو لون أدبي جديد ابتكره عام 2007.
كما تضمنت إسهاماته أعمالاً في أدب الطفل، من بينها مجموعة “خمس قصص للأطفال”، وعدد من المسرحيات التربوية التي اعتمدتها وزارة التربية.
من قلقيلية إلى دمشق..
سيرة مكان وذاكرة وبيّن الإعلامي والباحث محمد منصور أن الراحل أكرم شريم قدم إلى دمشق طفلاً في الخامسة من عمره إثر نكبة فلسطين عام 1948، لتتشكل علاقة عميقة بينه وبين المدينة التي أصبحت مسرحاً رئيسياً لأعماله الإبداعية. ووفقاً لمنصور، يعد شريم أحد المؤسسين البارزين للمسرح الفلسطيني عام 1972، كما قدم إسهامات نوعية في الدراما التلفزيونية السورية، إذ بدأ مشواره مبكراً من خلال مسلسل “أولاد بلدي” سنة 1971 الذي أخرجه علاء الدين كوكش وأنتجه التلفزيون السوري مطلع سبعينيات القرن الماضي، وتناول أزمة جيل يسعى للتمرد على السلطة الأبوية، ما أدى إلى منع الرقابة إعادة عرضه بعد بثه الأول.
محطات درامية فارقة
واصل شريم عطاءه خلال ثمانينيات القرن الماضي عبر أعمال مهمة، من بينها “تجارب عائلية” و “حب وإسمنت”، وكلاهما بتوقيع المخرج الراحل علاء الدين كوكش. وتأتي رائعة “أيام شامية” التي أنتجها التلفزيون السوري عام 1992، إحدى أبرز محطات مسيرته الفنية، إذ شكّلت انطلاقة ناجحة للمخرج بسام الملا في دراما البيئة الشامية، ويعد العمل، في نظر عدد من النقاد والمتابعين من أجمل هذه الأعمال وأكثرها اكتمالاً، لملامسته روح البيئة الشامية ببساطة ومحبة وبعيداً عن المبالغة.
استقلالية الموقف وقوة الكلمة
وأضاف منصور: عُرف عن الراحل قوة الشخصية واستقلالية الرأي وتمسكه بنصوصه، إذ لم يُعرف عنه التملق لأي سلطة أو مخرج أو منتج، وقد عبّر عن ذلك بقوله لي: “بصراحة لو كنت أنسجم مع الطرف المنتج والمخرج وأشعر بالأمان لنصي لكنت كتبت أضعاف هذه الأعمال”، حيث أدى هذا الموقف المبدئي، برأي منصور إلى خسارة الدراما السورية كاتباً أصيلاً صاحب رؤية، في مرحلة شهدت تساهل بعض الأسماء مع تدخلات المنتجين والمخرجين.
وأشار منصور إلى أنه خصص مساحة في كتابه “القدس ذاكرة فنية”، لإبداعات شريم وشخصيته اللذين استحقا التقدير والتوثيق.
ويرحل الأديب أكرم شريم تاركاً إرثاً أدبياً ودرامياً وإنسانياً مميزاً، وستبقى كلماته وأعماله شاهدة على تمسك المثقف الفلسطيني بحقه وأرضه، وعلى إيمان الكاتب بقلمه واستقلالية الفنان.
يشار إلى أن أكرم شريم من مواليد قلقيلية عام 1943، درس في جامعة دمشق وحصل منها على إجازة جامعية من قسم اللغة العربية في كلية الآداب، كتب ستة مسلسلات آخرها “حكايا العم حمدان، ممتاز يا بطل”.
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة