دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
مع ساعات المساء الأولى من يوم السبت، وجدت فرق الدفاع المدني السوري نفسها أمام سباق جديد مع الزمن في ريف محافظة اللاذقية، عقب أمطار غزيرة وسيول جارفة حاصرت مدنيين، وجرفت آخرين، وقطعت طرقًا رئيسية وفرعية في عدة مناطق، في مشهد يتكرر مع كل موسم شتاء.
الفيضانات التي اجتاحت المخيمات والبنية التحتية المتهالكة في سوريا، تعيد طرح سؤال مؤجل: ماذا لو وفى المتبرعون بتعهداتهم وخططت الدولة بشفافية من خلال مؤسساتها لجمع التبرعات وتحويلها إلى الأزمات الأكثر إلحاحا بدل الاستجابة الطارئة؟،
ومنها أزمة القاطنين في المخيمات الذين تقلص دعمهم الدولي إلى حده الأدنى، وصولًا إلى انقطاع شبه كامل في بعض المناطق خلال عامي 2024 و2025. تكشف العواصف الأخيرة أن الكارثة ليست طبيعية فقط، بل نتيجة غياب التخطيط وتبدد الأموال، بينما يبقى النازحون والمهجرون في مواجهة السيول بلا حماية.
سيول جارفة شمال غربي سوريا
وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث أوضحت أن عمليات البحث والإنقاذ تركزت في موقع العسلية، حيث حاصرت السيول ثلاثة مدنيين على حافة أحد الأودية، قبل أن تجرفهم المياه باتجاه إحدى الأشجار. وتمكنت الفرق من إنقاذ أحدهم، فيما لا تزال عمليات البحث مستمرة عن شخصين مفقودين في ظروف ميدانية معقدة.
وفي عين عيسى، تلقت الفرق بلاغا عن فقدان ثلاثة أطفال في أحد الأودية، حيث جرى العثور على طفل واحد وهو محاصر، وتعمل الفرق على انتشاله، بينما لا يزال طفلان في عداد المفقودين، كما نجحت فرق الدفاع المدني في منطقة البدروسية بإخلاء عائلة مكوّنة من ستة أفراد كانت محاصرة بمياه السيول، إضافة إلى فتح الطرق وتأمين الموقع، فيما أُخليت عائلة أخرى من خمسة أفراد في منطقة الشيخ حسن.
وأكد الدفاع المدني استمرار عمليات البحث والإنقاذ حتى تأمين جميع العالقين، داعيا الأهالي إلى الابتعاد عن مجاري الأودية ومناطق تجمع السيول، والإبلاغ عن أي حالة طارئة. ولم تقتصر تداعيات العاصفة على الساحل السوري، إذ أدّت الأمطار الغزيرة التي هطلت على شمالي وغربي البلاد إلى تشكّل سيول جارفة غمرت عددا من الخيام المقامة قرب المجاري المائية الموسمية في مخيمات خربة الجوز غربي إدلب، ما استدعى عمليات إجلاء عاجلة، وفتح مدارس ومراكز إيواء لاستقبال المتضررين.
في أحد المخيمات، تقول أم محمد لموقع تلفزيون سوريا، وهي أم لأربعة أطفال: "كل شتاء نخسر شيئا، مرة فرش، مرة أغطية، وأحيانا نخسر الإحساس بالأمان نفسه، وين بدنا نروح".
أما أبو أحمد، الذي يعيش في المخيم منذ سبع سنوات، فيضيف: "الخيمة ليست بيتا، لكنها أصبحت واقعا دائما، نحن لا نطلب رفاهية، فقط سقفا لا يسقط مع أول سيل، والله تلفنا".
وشهد الريف الغربي في محافظة إدلب شمالي البلاد، أوضاعا إنسانية صعبة، حيث تسببت الفيضانات في تضرر 14 مخيما في خربة الجوز وعين البيضاء وبداما، وقُدّر عدد العائلات المتضررة بنحو 300 عائلة.
وأفادت مديرية الصحة في إدلب في بيان، بأن فرق منظومة الإسعاف والطوارئ "تتابع أعمالها الميدانية في ريف إدلب الغربي بعد الفيضانات التي أدّت إلى غرق خيام في منطقة جسر الشغور، لتأمين سلامة الأهالي وتقديم الدعم الإسعافي العاجل".
ويعيش قرابة مليون نازح سوري بالخيام في شمال البلاد، موزعين على ألف و150 مخيما، منها 801 بريف إدلب، و349 في ريف حلب، بحسب معطيات ميدانية.
"تبرعات بلا أثر"
تشير بيانات حملات التبرع التي نُظمت خلال عام واحد إلى جمع أكثر من مليار دولار أميركي، ويرى الخبير الاقتصادي حسن حيدر العيلي أن هذه الأرقام تطرح سؤالا جوهريا حول جدوى النهج المعتمد.
ويقول: "مليار دولار رقم ضخم، خصوصا في بلد منهك اقتصاديا، هذه الأموال كان يمكن أن تغيّر واقع مئات الآلاف لو استُثمرت في حلول دائمة بدل إعادة تدوير الأزمة سنويا".
ولا يعفي فشل عملية جمع الأموال من المتعهدين الدولة السورية من مسؤوليتها في إيجاد حل لقاطني المخيمات، يحميهم على الأقل من البرد وفيضانات الشتاء.
ويوضح العيلي في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن كلفة الوحدة السكنية مسبقة الصنع، بمساحة تتراوح بين 40 و50 مترا مربعا، مع عزل حراري مناسب، تتراوح بين 5 و10 آلاف دولار، "هذا يعني أننا نتحدث عن إمكانية بناء 100 ألف وحدة سكنية بكلفة وسطية، أو 125 ألف وحدة بكلفة أقل، وقد تصل إلى 200 ألف وحدة في حال اعتماد نماذج اقتصادية مبسطة".
ومثال ذلك أنه بعد نحو شهرين على إطلاق حملة "حلب ست الكل" التي أُعلن خلالها عن تعهدات تبرع قاربت نصف مليار دولار أميركي، ما يزال الواقع الخدمي في المدينة بحسب مشاهدات الأهالي وشهاداتهم، بعيداً عن أي تحسن ملموس، ولا حتى في مناطق الريف الواسع، بل إن بعض المؤشرات توحي، بالنسبة لكثير من الأهالي، بأن الأوضاع ازدادت سوءاً خلال هذه الفترة.
ويشير مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية في دراسة حول إعادة الإعمار في سوريا إلى أن نجاح هذه الحملات على المدى الطويل مرهون بتجاوز جملة من التحديات، أولها ضمان الشفافية والحوكمة الرشيدة مع ارتفاع مبالغ التبرعات، بما يحفظ ثقة المتبرعين ويضمن وصول الأموال إلى أهدافها المعلنة.
أما التحدي الآخر ـ بحسب المركز ـ فهو الاستمرارية، إذ قد تتراجع الحماسة الشعبية ما لم تتحول المبادرات إلى أطر مؤسسية أكثر ثباتاً، مثل صناديق دائمة أو جمعيات تنموية محلية. ويقول مركز الحوار السوري، إن المبالغ التي تم استلامها لا تزال فعلياً بعيدة جداً عن التعهُّدات التي تم تقديمها والتي تظهر عدم جدية من المتبرعين في تقديم الالتزامات التي تعهدوا بها.
والشهر الماضي، كشف مهند الجهماني، مدير مشاريع حملة "أبشري حوران"، أن إجمالي التعهدات الثابتة للحملة بعد التدقيق بلغ نحو 34.3 مليون دولار، لم يُحصَّل منها سوى 17% فقط، ما أدى إلى عجز مالي بنسبة 38% من قيمة المشاريع التي جرى تنفيذها حتى نهاية عام 2025. وأوضح الجهماني في تصريح نقله موقع "تجمع أحرارا حوران" أن الحملة نفذت مشاريع بقيمة 7.8 ملايين دولار في قطاعات التعليم والصحة والمياه، وفق تسلسل الأولويات من دون توزيع جغرافي محدد.
تجارب دولية: إعادة البناء ليست مستحيلة
يستشهد العيلي بتجارب دولية مماثلة ويقول: "تدعم هذه الرؤية تجارب دولية حديثة، ففي تركيا، عقب زلزال شباط 2023، اعتمدت الحكومة نموذج البناء المسبق الصنع والإسكان المرحلي، ما أتاح إسكان عشرات الآلاف خلال أقل من عام، رغم ارتفاع الكلفة نسبيا بسبب معايير الزلازل وغلاء المواد".
ومن ثم يرى في تجربة إندونيسيا بعد زلزال سولاويزي، نموذجا مهما لأنه جرى اعتماد نموذج "البيت النواة"، حيث تُبنى وحدات أساسية قابلة للتوسعة لاحقا، بكلفة منخفضة نسبيا، وبمشاركة المجتمع المحلي، ما سرّع وتيرة الإعمار وخفّض النفقات.
أما في بورتو ريكو، فبحسب العيلي فإنه عقب الإعصار المدمر والزلازل اللاحقة، فقد اتجهت منظمات دولية إلى بناء وحدات سكنية مقاومة للكوارث باستخدام مواد خفيفة ومحلية، بكلفة أقل من البناء التقليدي، مع تقليص زمن التنفيذ إلى أشهر بدل سنوات.
ويعلّق العيلي "هذه التجارب تؤكد أن الإسكان السريع ليس ترفا، بل خيارا اقتصاديا عقلانيا، خاصة عندما تكون الكلفة السنوية للاستجابة الطارئة أعلى من كلفة الحل الدائم".
المخيمات السورية..
إنقاذ مؤقت في سوريا، لا تزال المخيمات قائمة في مناطق منخفضة وقرب أودية، ما يجعلها عرضة للغرق مع كل عاصفة، ومع استمرار تغيّر المناخ وازدياد شدة الأمطار، يتوقع مختصون أن تصبح هذه الحوادث أكثر تكرارا. ويختم العيلي بالقول: "الاستمرار في ضخ الأموال ضمن مسار إغاثي مؤقت يعني استمرار الخسائر البشرية والمادية، التحول إلى سياسة إسكان مرحلي ودائم ليس فقط خيارا إنسانيا، بل ضرورة اقتصادية".
وبينما تواصل فرق الدفاع المدني عملياتها لإنقاذ العالقين وانتشال المفقودين، يبقى السؤال مفتوحا: هل ستبقى الاستجابة حبيسة اللحظة، أم يتحول الدرس المتكرر إلى قرار يضع حدا لمأس متكررة. الجدير بالذكر أنه مطلع العام الحالي وفي أعقاب المنخفض الجوي القوي الذي اجتاح المنطقة، تعرّضت عشرات المخيمات في ريف إدلب الشمالي لفيضانات شديدة، ما أدى إلى تضرر عشرات العائلات النازحة وغرق خيامها، وفقا لشهادات السكان الذين أكدوا أن الأمطار الغزيرة أحدثت سيولا في الوادي المحيط بالمخيم، مما أجبرهم على الفرار في منتصف الليل.
وتأتي هذه الحوادث وسط انسحاب المنظمات الإنسانية، ما فاقم معاناة الأهالي الذين يفتقرون إلى خدمات أساسية. وتواجه مخيمات النازحين في شمال غربي سوريا تحديات متزايدة خلال فصل الشتاء، ويعاني السكان من نقص الدعم الإنساني والحماية من الكوارث الطبيعية.
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة