دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
«العلم يصارع الأكاذيب في الملف الإيراني».. هذا هو الحال إذا ما رُصد المشهد أميركياً، حيث يقرّ العلم بشكل لا يقبل الشكّ بأن إيران لا تسعى لامتلاك برنامج أسلحة نووية. ببساطة ليس هناك من دليل واحد يدينها بصورة قاطعة. حتى خبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم يستطيعوا أن يشفوا غليل أميركا وإسرائيل بـ«فضح» طهران، وأعلنوا بكل ثقة أن لا وجود لبرنامج الأسلحة النووية الإيراني، فيما زلّ لسان كل من وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا والإسرائيلي إيهود باراك واعترفا بأن إيران لا تحاول حالياً إنتاج السلاح النووي.
ولكن الموقف الأميركي، حسب ما يرى الأستاذ الجامعي غاري لوب في تقرير نشره موقع «كاونتربانش» الأميركي، يرتكز على «تضليل سياسي منظّم»... سيل من الأكاذيب «الفاضحة والجريئة» تطلقها أميركا عبر مسؤوليها ووسائل إعلامها، بحيث تكتسب هذه الأكاذيب روحاً في نهاية المطاف، ويصبح لدى إيران «برنامج لتطوير السلاح النووي».
أما أنصار هذه الأكاذيب، فيؤكد لوب أنهم واثقون من أنها ستجد صداها.. «كيف لا وإيران بلد مسلم، والرأي العام هنا اعتاد أن يصدّق الأسوأ عن المسلمين ويراهم في موقع العداء الإرهابي لأميركا طوال الوقت؟».
وانطلاقاً من هذا الواقع، لا تهمّ حقيقة أن إيران لم تشنّ حرباً على أي بلد في العصر الحديث، أو أنها لم تضطلع بأي شكل من الأشكال في هجوم 11 أيلول. كل ما يهمّ زعماء التضليل السياسي هو الترويج لفكرة أن العالم رهن لخطر إيران النووي، وتحديداً الخطر على وجود إسرائيل. وباختصار، لقد أصبحت هذه الفكرة جزءاً من الثقافة السياسية في أميركا، والعراق خير دليل، بحيث بدت سياسة جورج بوش في الملف العراقي آنذاك أقرب إلى المنطق النازي وتذكّرنا بمقولة هيرمان غورينغ، وهو أحد أبرز قيادات ألمانيا النازية والأب الروحي لجهاز البوليس السري، «من الطبيعي ألا يرغب الناس العاديون بالحرب. ولكن في نهاية المطاف، فإن الزعماء هم من يحددون السياسة، ومن السهل حينها أن يجرّوا الشعب لقبول الحرب.. يكفي أن يقولوا لهم إن وجودهم مهدّد وأن يتهموا دعاة السلام بالافتقار إلى الوطنية وتهديد أمن البلاد. وهذا الأمر ينطبق على جميع البلدان».
يعود لوب إلى الخطاب الأول للرئيس الأميركي باراك أوباما بعد انتخابات العام 2008، حين ردّ على سؤال حول رأيه بتهنئة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد له بالقول إن «أميركا لن تتسامح في ما يخصّ برنامج إيران النووي»، ليؤكد أن الجواب حينها كان محاولة تزلّف مكشوفة للوبي الإسرائيلي، وهكذا «كما تجاهل بوش عدم وجود أدلة تدين إيران النووية كرمى لإسرائيل، كذلك فعل أوباما».
في المقابل، يؤكد لوب أن هناك نوعاً من المسافة القائمة بين إسرائيل وأميركا في الملف الإيراني. ويقول «لا شك في أن الليكود الإسرائيلي سيكون سعيداً بجرّ واشنطن إلى حرب أخرى تخدم المصالح الإسرائيلية، ولكن أوباما لا يرغب على ما يبدو في مثل هذه الحرب. لا يستطيع الرئيس الأميركي أن يعترف أن الأمر ليس أكثر من مجرّد تهويل يقوم به اللوبي الإسرائيلي والمحافظون الجدد تحقيقاً لمصالحهم».
من جهة ثانية، دار نقاش «حقيقي» حول إيران بين الجنرال الإسرائيلي المتقاعد شلومو بروم والرئيس السابق لمركز الدراسات الاستراتيجية في جامعة تل أبيب شاي فيلدمان فضلاً عن نائب المدير العام السابق لوزارة الخارجية الإسرائيلية والسفير الإسرائيلي السابق في برلين شمعون شتاين في مجلة «فورين بوليسي» الأميركية. الثلاثة حاولوا الإجابة على «السؤال الجوهري» وهو ما «إذا كان امتلاك إيران للسلاح النووي يعني حقاً تهديد وجود إسرائيل؟».
يأتي الجواب بالقول «صحيح أن إيران تمتلك القدرة الفيزيائية لتدمير إسرائيل، بالشكل نفسه الذي كان سائداً أيام الحرب الباردة عندما كان السوفيات قادرين على تدمير أميركا مرات عدة، لكن ذلك لا يعني أن إيران بمجرّد امتلاكها لهذا السلاح، سوف تستخدمه لتدمير إسرائيل، وإن كان الوجود الإسرائيلي حينها سيخضع للمزاج الإيراني حكماً».
أما «السؤال المركزي» الذي طرحه هؤلاء فيتعلّق بموضوع «الردع». فإن كانت، حسب رأيهم، قد فشلت الجهود لمنع إيران من امتلاك السلاح، فما الذي سيمنع من أن تفشل مرة أخرى في ردعها عن استخدامه؟ وفي الشق الثاني من السؤال، كان هناك تخوّف من أن يؤدي امتلاك إيران للبرنامج إلى حدوث «شلال نووي» في المنطقة، حيث ستشعر تركيا والسعودية ومصر على سبيل المثال بأنها مجبرة على تطوير قدراتها النووية حفاظاً على توازن القوى، وماذا سيكون الموقف الأميركي – الإسرائيلي حينها من هذه الدول الحليفة؟
وفي إطار البحث في إمكانية تحقّق سيناريو «الشلال النووي» في المنطقة، يتساءل الثلاثة عما إذا كانت أميركا ستسارع لتفادي الانتشار النووي عبر توفير مظلة نووية لحلفائها في المنطقة، وماذا سيكون موقف هؤلاء؟ وهل ستختار مصر والسعودية القبول بالضمانات الأميركية أم ستصرّ على تطوير النووي مهما كانت المخاطر؟
وتنتقل الأسئلة إلى محاولة استشراف ما قد يكون موقف حلفاء إيران إزاء واقع امتلاكها للسلاح النووي، وتحديداً سوريا و«حماس» و«حزب الله»، فهل ستصبح هذه الأطراف أكثر جرأة وتصبح إسرائيل أكثر خوفاً في التعاطي معهم، وهل كان مثلاً ردّ إسرائيل على اختطاف «حزب الله» للجندي الإسرائيلي في تموز 2006 سيختلف لو كان لدى إيران سلاح نووي؟
وبعيداً عن الأسئلة المحتدمة والسيناريوهات المحتملة، يؤكد مدير قسم الدراسات الدولية في معهد «ترينيتي» في «هارتفورد» الأميركية فيجاري براشاد أن الحرب على إيران قد بدأت فعلاً، دبلوماسياً واقتصادياً، و«كل إيراني بإمكانه التأكيد على ذلك».
برأي براشاد، إن إيران تعوّل في هذه الحرب على الصين والهند وروسيا، ولكن المخاوف في عواصم هذه الدول قد بدأت بالنمو أمام الضغوط الأميركية المفروضة. وخير مثال هو أن الهند قد صوّتت ضد إيران في الوكالة الدولية للطاقة الذريّة، في حين أن الصين وروسيا قد ترضخان للعقوبات في حال تصاعدت الضغوط الأميركية عليهما. وباختصار «إنهم أصدقاء لا يمكن الاعتماد عليهم».
خلاصة براشاد يدرسها من منظار مختلف تقرير نشرته مجلة «الإيكونوميست» تحت عنوان «إيران والهوية بين النظرية والتطبيق في السياسة الصينية الخارجية»، حيث يبدو الموقف الصيني من إيران للوهلة الأولى «كزواج جميل بين الاتساق الفكري والإفادة العملية». فمع معارضتها المستمرة للعقوبات على إيران كجزء من سياستها الخارجية، تتوقع بكين أن تستفيد من تخفيضات على خُمس وارداتها النفطية من إيران مع فرض الحظر الأوروبي على النفط الإيراني.
وبناء على ذلك، فلا عجب أمام ما تلقاه وزير الخزانة الأميركي تيم غاثنر من صدّ خلال زيارته الشهر الحالي إلى الصين لطلب مساعداتها في كبح صادرات النفط الإيراني. وقد تحوّل هذا الصدّ إلى غضب عندما فرضت الادارة الأميركية العقوبات على شركة «زوهاي زيرونغ» الصينية لبيعها منتجات نفطية مكررة لإيران.
حسب التقرير، لطالما كان «أمن الطاقة» أساس الدبلوماسية الصينية، ومن هذا المنطلق عزّزت صداقاتها مع جنوب السودان قبل الانفصال ومع المجلس العسكري الحاكم في ميانمار وكذلك مع إيران التي تجمعها بها مصالح تجارية ونفطية قديمة، وفي هذه الحالة فإن الصين ستتردد كثيراً قبل الإقدام على استعداء صديق قديم.
ويعزّز الموقف الصيني، يضيف تقرير «الإيكونوميست»، الشكوك المتزايدة لدى الصين تجاه الاستراتيجية الأميركية الجديدة التي أعلنت عنها واشنطن مؤخراً بالتحوّل نحو منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وذلك بعد أن تعاظم التهديد الاقتصادي والعسكري الصيني على المصالح الأميركية. يُضاف إلى ما سبق الخوف الصيني من التأثير «الكارثي» الذي قد تتركه العقوبات على إيران، وإمكانية أن يؤدي ذلك إلى نشــوب نــزاع مسـتميت ســيترك تداعياته على الصين بشكل مباشر، لا سيما مع التهديدات الإيرانية بشأن إغلاق مضيق هُرمز، وأن البديل المتمثل بشكل أساسي في السعودية ليس مصدر ثقة لدى بكين على الإطلاق.
(«السفير»)
المصدر :
السفير
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة