دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
منذ إشعال محمد البوعزيزي النار في نفسه في تونس قبل 15 شهراً، يتضح من الثورات العربية، أنها كلما اقتربت من المشرق العربي أكثر، ارتفع مستوى تحوّلها إلى قناة لـ«التنافس الاستراتيجي الأميركي ـ الايراني».
وفي تقريره المشترك مع آرام نرغيزيان، حول انعكاسات هذا التنافس في هذه المنطقة، ضمن سلسلته المنشورة لدى «معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية»، حدّد الباحث الأميركي انتوني كوردسمان معايير «المواجهة بالوكالة» بين القوتين في ظل الاضطرابات الحادة التي تشهدها المنطقة، كما طرح مجموعة من التوجيهات للإدارة الأميركية حول الخيارات المتاحة لديها ازاء الفلسطينيين، وفي سورية ولبنان، لضمان قطاف ثمار الثورات على حساب المصالح الايرانية الإقليمية.
في الآتي أهم النقاط التي أبرزها تقرير كوردسمان، وما رافقها من «نصائح» للإدارة الأميركية الحالية، قوامها الرهان على ضعف الدور الإقليمي لسورية بصرف النظر عن السيناريوهات المحتملة، ما يدفع بذلك واشنطن إلى الاحجام عن أي تدخل قد يستفز القوى العالمية الكبرى والصاعدة، وانتهاج سياسة «احتواء» لتداعيات الحدث السوري إقليميا.
سورية
ما يحدث في سورية اليوم من اضطرابات غير مسبوقة، يفوق قدرات التوقع الأميركية، مما يقوض قدرة واشنطن على بلورة استراتيجية مستدامة حتى على المدى القصير. لذلك على الولايات المتحدة العمل على نوع من «احتواء» لتداعيات الازمة في سورية، من دون التدخل الفعليّ في اتجاه حسمها، على أساس الرهان بأن «دور سورية الإقليمي قد تم إضعافه إلى حد كبير بعد عام من الاضطرابات».
فمن جهة، يغذي لجوء المعارضة المتزايد إلى العنف توجه السلطات نحو رد أمني وعسكري أقسى. لكن اميركا لا يمكنها التدخل في مرحلة الاضطراب هذه، لأن تزويدها المعارضة بدعم مادي سيبرر رفع مستوى القمع الأمني من النظام، وسيرصّ صفوف القوى الموالية له. كما قد تستفز المساعدة السرية أو العلنية للمعارضة ردة فعل سلبية من روسيا والصين واعضاء آخرين في مجلس الامن لا يريدون رؤية السيناريو الليبي يتكرر.
وفيما تعلم واشنطن أن أي انهيار للنظام في سورية، قد يحمل «أمل» انقطاع النفوذ الايراني في منطقة المشرق، إلا أنها تعي أيضا أنه قد يؤدي إلى تهديد استقرار حلفائها الاقليميين: على جبهتي اسرائيل الشمالية والشرقية، في الداخل الأردني حيث تتصاعد الاضطرابات، في لبنان حيث التوازن الطائفي الهش، وفي جنوبي تركيا حيث تحاول انقرة احتواء المجموعات السورية والكردية.
كما أنه لا وجود لأي دليل ملموس يشير إلى أن أي نظام سوري قد يأتي بديلا للنظام الحالي، سيدخل في سلام مع اسرائيل، ويتخلى عن هضبة الجولان، أو يوقف الدعم للعناصر الفلسطينية الفاعلة داخل الأراضي المحتلة وخارجها. أضف إلى ذلك، أن الفيتو الصيني ـ الروسي المزدوج وجّه رسالة واضحة لا يمكن للولايات المتحدة تجاهلها: على واشنطن أن تأخذ بالاعتبار مصالح القوى العالمية الكبرى والصاعدة. لذلك تسعى واشنطن ضمنيا إلى التأكيد على استبعاد خيار التدخل العسكري في سورية.
الفلسطينيون
نقطة الانطلاق هي أن «كلا من اميركا وايران يواجه مستوى غير مسبوق من عدم الاستقرار السياسي» في المنطقة، مؤكدا ان «أحدا لا يستطيع توقع نتيجة هذه الاضطرابات».
اسرائيل التي تشكل المساحة المفصلية في التنافس الأميركي ـ الايراني، أصبحت اليوم محاطة بدائرة من عدم الاستقرار. وبطبيعة الحال، ستواصل أميركا تزويد اسرائيل بالضمانات الأمنية السياسية والعسكرية لتعزيز شراكتهما الاستراتيجية، والتي تقوم بأحد ركائزها الأساسية على مواجهة النفوذ الايراني في المنطقة.
ويشكل موقف ايران من الدولة العبرية موضع النقاش بين المتابعين، حول ما إذا كان نابعا فعليا من موقف دوغمائي، أم من براغماتية سياسية تستخدم الصراع العربي ـ الاسرائيلي لتقــويض شرعية الأنظمة العربية المتحالفة مع أميركا وتعزيز نفوذها في المنطقة. وعلى الأرجح، فإن الموقف الايراني ناتج عن مزيج من الإثنين.
لذلك، فإن على الولايات المتحدة أن تستغل الوضع الإقليمي الحالي، لإحياء عملية السلام بين الاسرائيليين والفلسطينيين. كما ان تعليق المساعدات المالية للفلسطينيين لن يقدم أي تعزيز للنفوذ الأميركي في المشرق. والحقيقة أن توجه السلطة الفلسطينية إلى الامم المتحدة، والذي اغضب كثيرين في واشنطن، قد عزز بشكل كبير الموقف الهش للرئيس الفلسطيني محمود عباس، وهو حليف أساسي لاميركا في المنطقة. تعزيز موقف عباس، يعني بتعبير آخر تعزيز قدرته على انجاح تسوية نهائية مع الاسرائيليين، وتقويض التأثير الايراني على القوى الفلسطينية. ومن الضروري في هذه المرحلة أن تستفيد اميركا من ابتعاد حركة «حماس» حاليا عن المحور الايراني ـ السوري، على الرغم من أن ذلك سيكون أكثر صعوبة من الانخراط الأميركي مع جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر.
لبنان
تعلم واشنطن جيدا، هشاشة الوضع الداخلي في لبنان، لذلك تتبع ازاءه سياسة «براغماتية» قوامها تقليص دوره الجيوستراتيجي، واحتواء التهديد الذي يطرحه «حزب الله» للمصالح الأميركية في المنطقة.
النصيحة الأهم للإدارة الأميركية هي أن تمد جسورا مع القوى اللبنانية التي تتمتع بعلاقات طبيعية مع النظام السوري، بينما تتصاعد ريبة «حزب الله» منها، أي رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الذي لم يكن يوما موضع خيار الحزب للمنصب هذا. وعلى أميركا أن تتجنب أي تصاعد في عدم الاستقرار اللبناني، وأن تعمل مع حلفائها القائمين والجدد لاحتوائه.
لكن الدبلوماسية العسكرية تبقى ضرورية بالنسبة لواشنطن، للمحافظة على نفوذها في لبنان ومكانتها في السياسات الامنية للمشرق العربي. لذلك، على الكونغرس الأميركي أن يرفع الحظر عن المساعدة العسكرية التي طلبها الجيش اللبناني. وعلى وزارة الخارجية بدعم من الكونغرس، أن تطلق مساعدة بـ100 مليون دولار تمت الموافقة عليها في موازنة العام 2011.
المصدر :
الماسة السورية
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة