دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
حين كنت صغيراً أصارع الخطى ذات يوم في شوارع قريتنا ، راعني مشهد لحمار مكبّل ملقى على الأرض ، مشدود الوثاق من اطرافه و بيد رجل قربه مقصٌّ يتحرك بين فخذيه .. وقفت مدهوشاً .. سألت رجلاً عجوزاً : ماذا يفعلون للحمار؟ فقال لي “انهم يخصونه” .. قلت لماذا؟ .. فقال بالعامية “ليقعد عاقل” ..
عبارة لم أفهمها لسنين .. لكنها علقت برأسي .. ربما كان مقدراً لها أن تخرج اليوم بالاسقاط .. لا بالسقوط .. مرت الأيام .. و علمت معنى الشهوة .. و معنى كبت الشهوات .. بالنضج و التحكم بالمشاعر .. بالافكار .. باستغلال العقل الذي وهبنا اياه الله .. لا بسواه ..
أول مرة استحضرت فيها ما قاله ذاك الرجل العجوز يومها كانت حين قرأت عن فكر الأخوان المسلمين و دعوتهم لختان الاناث .. كان الأمر محبطاً .. مقززاً .. على خلاف سعي الدين الاسلامي لإنصاف المرأة و احترام مكانتها و حقوقها .. كان الأخوان يجعلون منها شبيهة للحمار ..
تُقصّ خصى الحمار كي يتحول الى آلة عاملة لا تلهيها شهوة .. هذا هو المبدأ .. مبدأ الأخوان المسلمين في التعامل مع المرأة أولاً و مع القضية ثانية .. فيأمرون بختانها بحجة مساعدتها على كبت شهواتها .. و كأن المسلم مفروض عليه ازالة مصادر الشهوات لا كبتها .. و كأن الشهوة حكر على قطعة لحم في ذاك الجسد .. و كان المرأة هي عبارة فقط عن هالة تحيط بقطعة الجسد تلك .. وكأن القضية كلها متوقفة على ختان أنثى .. لا ختان فكر ..
سيقوم علينا الأخوان حين نقول هذا الكلام .. لكن الأمر ببساطة أشبه ما يكون بشخص لا يجد ما يأكله أو ما يشربه فيصوم .. و شخص يقف أمام أشهى المأكولات و المشروبات لكنه يتذكر ربه و يتذكر خاتمته و يتذكر الجياع من أبناء أمته فيعلن لله صيامه .. في الأولى ليس لديه ما يأكله فإن صام أو لم يصم ما هو بآكل ولا هو بشارب .. أما في الثانية .. فأجر و ثواب عظيم ..
يريد الأخوان المسلمون للقضية أن تصبح على الحالة الأولى حتى ان وقعت في الثانية غلبت عليها الشهوات التي لم تتعود النفس قبل الجسد على كبتها .. فأخرجوا علينا فتاويهم .. ارضاع كبير .. ختان اناث ..
في المرة الثانية التي استحضرتني فيها هذه المقولة .. كانت البارحة حين سمعت خبراً ينقل عن الملك السعودي قوله “يجب تحكيم العقل فيما يحدث في غزة” .. فتساءلت نفسي : يا ترى .. أين كان عقل الملك في أحداث سورية؟ .. فلم يحضر في عقلي سوى صورة تلك الحمار المخصي .. لتقول لي بأن العقل العربي أحياناً .. لا بل في بعض المناطق غالباً .. يتعرض للاخصاء .. لا للاقصاء فحسب ..
اخصاء العقل العربي يتجلى في أرقى صوره حين نعلم أن قطر تنوي جلب نادي برشلونة ليلعب كرة قدم في قطاع غزة المحاصر .. الكيان الصهيوني يمتلك و يدير أشهر العقول في العالم فيما قطر تريد لفلسطين ان تداس بأشهر الأقدام في العالم .. وكأن المقاومة في فلسطين بحاجة لأقدام لا لعقول .. كان الأحرى بقطر أن تمنع نادي برشلونة الذي تموله من احتضان الارهابي الاسرائيلي جلعاد شاليط بعد ان افرجت عنه حماس .. بدل أن تعيد حماة شاليط الى غزة بأقدام لا تركل فقط الكرات و انما كل خصى العرب .. المفكّرة ..
حين يخصى العقل العربي يصبح الجهاد في سورية واجب شرعي بينما فلسطين تستطيع الانتظار ستين سنة أخرى .. و يصبح من يدعم المقاومة في فلسطين كافراً زنديقاً مجوسياً … و يصبح من باع فلسطين رجلاً مؤمناً و تقياً ..
حين يخصى العقل العربي تهدم أنفاق دعم المقاومة الفلسطينية في سيناء بعد تمثيلية يذهب ضحيتها جنود مصريون أبرياء .. ذنبهم الوحيد أنهم وقفوا في سيناء في عهد حكم الاخوان المسلمين ..
حين يخصى العقل العربي يصبح محمد مرسي الذي لم ينكر رسالته الدافئة الى شمعون بيريز إماماً للمسلمين و يصبح بشار الأسد الذي لم تثبت عليه خيانة الا في مخيلات شاربي بول البعير شيطاناً ..
حين يخصى العقل العربي تصبح قطر هي الراعية للمقاومة .. ربما ترعاها كما ترعى الابل عشب الصحراء في محيط قاعدة العديد الامريكية الاكبر في الشرق الاوسط المتربعة على صدر القطريين .. لكنها بالتأكيد ترعاها أكثر حين ترسل قطر أربع طائرات رافال لتشارك حلف الناتو غزوه لليبيا .. بينما ترسل فريق برشلونة وربما معه جلعاد شاليط الى غزة ..
حين يخصى العقل العربي يحيض يوسف القرضاوي على منبر الجزيرة سنة ونصف (ومثله بقية شيوخ الوهابية على بقية المنابر) وهو يكفّر ثلث الشعب السوري بينما يختفي عند أول غارة صهيونية على غزة ..
حين يخصى العقل العربي يصبح ضحايا القصف الاسرائيلي على غزة قتلى على قناة العربية التي تصف الارهابيين في سورية بأنهم شهداء ..
حين يخصى العقل العربي يصبح نجم القناة الثانية الصهيونية (الشيخ) صدر الدين البيانوني ممثلاً شرعياً للاخوان المسلمين السوريين لاجتماعات المعارضة في الدوحة ..
كل هذا .. ولكن .. قبل أن يخصى العقل العربي كنا نسمع كثيراً بالقناة الثانية و القناة العاشرة في التلفزيون الصهيوني لنكتشف بعدها ان القناة الأولى هي القناة التي يخرج عليها المتحدث باسم جيش الاحتلال الصهيوني كل يوم ليخبر متابعي الجزيرة عن انجازات جيشه في غزة الجريحة ..
أصبحت الآن متيقناً أكثر بأن تلك العقول المخصية لا تمتلك من الرجولة ما يكفي لنصرة فلسطين .. أما العقول الحق فاسمعوها هنا .. هنا فقط حين يقول الشيخ صلاح الدين ابن ابراهيم من قلب المسجد الأقصى :
الجامعة العربية أمهلت سورية 48 ساعة لوقف القتال و أمهلت هذه الدولة المسخ “إسرائيل” 48 سنة من الاحتلال .. وتعفنت أوراق الصلح في الجامعة العربية ولا زالت تعرض عليها الصلح والسلام وترفض الصلح والحوار مع بلاد الشام ؟!
فأين هم مجاهدو المغرب العربي والشيشان ؟ أم أن حلب وبلاد الشام اولى بالجهاد من غزة ؟
وهل حلب وحمص أولى بالصواريخ والمجاهدين من غزة ؟
من هم هؤلاء المفتين ؟
و للحكام العرب وأمرائهم “تباً لخزيكم تباً لعاركم”.
هذا الربيع الأجدب الأقحط ليس ثورة هو وأمرائه و علمائه.
المصدر :
الماسة السورية/الاسكندر طوسي
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة