دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
قبل 14 عاما وصل زعيم «حزب العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان إلى تركيا، وأودع سجنا في جزيرة ايمرالي بعدما كان قد اعتقل في عملية خاطفة وصاعقة (15 شباط) من مكان إقامته في السفارة اليونانية في نيروبي عاصمة كينيا.
رحلة الجلب من نيروبي إلى اسطنبول استغرقت أكثر من ست ساعات، ربما يكون قد توقف خلالها في إسرائيل، فالعملية كانت مشتركة بين الاستخبارات التركية ووكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي إيه) والموساد الإسرائيلي.
14 عاما، مر خلالها أوجلان بمحطات عديدة في سجنه، من الحكم بالإعدام عليه ثم تخفيضه إلى المؤبد، ومن العزل الكامل إلى الالتقاء بمحاميه بحسب مزاج النظام الحاكم في أنقرة. لكنها مرحلة شهدت تحوّلا فكريا مهما لدى أوجلان كان أبرزها تخليه عن مطلب وفكرة الدولة الكردية المستقلة في تركيا، ودعوته إلى أكثر من شكل لحل هذه المسألة، من فدرالية إلى حكم ذاتي إلى إدارة ذاتية، ضمن تركيا ديموقراطية. استغرق أوجلان في سجنه بقراءات مطولة وبكتابات فلسفية في التاريخ تركزت على منطقة «الميزوبوتاميا»، أي بلاد ما بين النهرين بما فيها الجنوب الشرقي من تركيا، حيث يمر أيضا نهرا دجلة والفرات.
تماوجت مرحلة الاعتقال في نظرة أوجلان إلى حل المشكلة الكردية، وهو سعى دائما إلى وقف للنار من جانب واحد من دون تجاوب رسمي، وإن كان أحيانا تجاوبا ضمنيا. ورغم الأشكال المتعددة لطروحاته فإن نقطة مركزية كانت تعكس جوهر المطالب الكردية، وهي حق تعبير الأكراد عن هويتهم الثقافية وإدارة أنفسهم بأنفسهم، بمعزل عن الصيغة المقترحة.
وبعد 14 عاما من الاعتقال يعود اسم أوجلان إلى تصدر الواجهة في تركيا، مع الإعلان عن بدء مفاوضات بينه وبين الحكومة التركية لحل المشكلة الكردية، مع ارتفاع كبير في منسوب التفاؤل.
آخر الأخبار عن المفاوضات أن اتفاقا عاما قد أمكن التوصل إليه، أو ربما يحظى بفرصة كبيرة للتوصل إليه، وينص على أن ينال الأكراد ما يشبه الحكم الذاتي، أي صلاحيات واسعة للإدارة المحلية في مناطقهم والاعتراف بحقهم في التعلم بلغتهم الأم في المدارس والجامعات، والتنصيص على الاعتراف بالهوية الكردية في الدستور بصيغة واضحة، وعفوا عاما عن المعتقلين ومن ثم إطلاق سراح أوجلان.
يمثل هذا المقترح ثورة في مسار المشكلة الكردية في حال كان ذلك صحيحا. ويعتبر خطوة أخيرة ما قبل الاستقلال الفعلي في حال كانت «سوسة» الانفصال لا تزال تراود الأكراد، أو عادت لتراودهم في وقت لاحق، وليس من أحد يضمن خلاف ذلك.
في المقابل ماذا تحصل الدولة التركية من مكاسب؟
المعطيات المؤكدة انه مقابل كل هذه الاقتراحات سيتحقق أمران: الأول موافقة النواب الأكراد الثلاثين التابعين لـ«حزب السلام والديموقراطية» على مسودة الدستور الجديد الذي يعمل رئيس الحكومة رجب طيب اردوغان عليه، والذي لن ينجح تمريره في البرلمان لأنه يحتاج الى 367 صوتا، لا تتوفر لـ«حزب العدالة والتنمية» بمفرده، الذي يملك الآن 325 نائبا. والتصويت لن ينجح حتى لو انضم إليه نواب «السلام والديموقراطية» الثلاثون. لكن رهان اردوغان هو أن يؤيد النواب الأكراد، أو بعضهم، اقتراح تعديل الدستور في البرلمان ليحصل على الأقل على 330 صوتا وهو العدد الضروري لتحويل التعديل الدستوري إلى استفتاء شعبي، يرى اردوغان انه واثق بحصوله على تأييد غالبية الناخبين.
لكن جوهر الموضوع هنا بالنسبة لأردوغان انه يعطي الأكراد مطالب أساسية لهم، في مقابل اعتماد الدستور الجديد النظام الرئاسي في تركيا، والذي يتيح لأردوغان أن يصبح رئيسا للجمهورية بدءا من العام 2014 لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد في انتخاب شعبي وبصلاحيات كاملة، بحيث يتحول رئيس الحكومة المقبل إلى موظف لا صلاحية له عند رئيس الجمهورية. وبهذه الطريقة يتمكن اردوغان من الاستمرار في حكم البلاد 10 سنوات أخرى على الأقل، بعدما يكون قد حكمها 12 سنة كرئيس للحكومة منذ العام 2002.
وتطرح هذه النقطة العديد من التساؤلات، أولها أن تركيا في زمن «الربيع العربي» ودعوتها إلى تداول السلطة في هذا البلد أو ذاك، تسير هي نفسها بعكس التيار وترسّخ نظام الشخص الواحد، والذي ستصل مدة حكمه إلى ما يقارب الربع قرن في حال اكتمال هذا السيناريو، وهو ما لم يحققه بصورة متواصلة أو متقطعة احد في تركيا، ومنهم مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك الذي حكم تركيا 15 عاما، بين العامين 1923 و1938، مع فارق أن فترة أتاتورك لم تكن مرحلة الديموقراطيات في الغرب، في حين أن العنوان الوحيد اليوم في العالم هو الديموقراطية وما شابه من عناوين.
وهذه المسألة كانت موضع انتقاد من قبل الليبراليين في تركيا لقادة «السلام والديموقراطية» الذين قد يوافقون على دستور جديد يعترف بمطالبهم القومية، في مقابل تحوّلهم إلى حصان طروادة لجهة السماح بالانقلاب على الديموقراطية لمصلحة نظام رئاسي مطلق لا يناسب تركيا ذات التعددية الاتنية والمذهبية والسياسية، والتخلي عن النظام البرلماني الذي يعيد القرار إلى الخريطة البرلمانية وليس إلى التفرد الرئاسي وغياب المساءلة البرلمانية. وتحظى هذه «الاتفاقية» المقترحة برفض كامل من القوميين الأتراك، ولا سيما «حزب الحركة القومية». أما «حزب الشعب الجمهوري» المعارض فإنه يقف حائرا بين السير بخطة يريدها الأكراد، ولا يريد أن يقف ضدها، لكنها خطة تعزز موقع خصمه الرئيسي، أي اردوغان. أما اردوغان فإنه يراهن على رصيده لدى الناخب التركي لتمرير هذه الاتفاقية، رغم انه أقرب إلى «المقامرة» بمستقبله السياسي.
أما الأمر الثاني الذي يمكن أن تحققه الدولة التركية من مكاسب فستكون على المدى البعيد، وفي ظل التطورات الإقليمية التي تفتح على احتمال تحريك الجغرافيا السياسية، التي قال وزير الخارجية التركي احمد داود اوغلو أنها تنهزم أمام التاريخ.
فعندما يقول داود اوغلو ان الشعوب تنتفض على واقعها في المنطقة، فهو لا يمكن أن يستثني من ذلك الشعب الكردي في تركيا، لا سيما بعدما سبقه إلى ذلك الشعب الكردي في العراق والآن يتحرك الشعب الكردي في سوريا في انتظار انتقال العدوى إلى إيران.
في ظل هذه المتغيرات التي ترسم للمنطقة يأتي أيضا التقارب التركي مع أكراد العراق، والضغط للحل في تركيا من أجل استباق أي تغييرات في الخريطة السياسية في المنطقة تركيا غير مهيأة لها. إن التخطيط لكيانات كردية في العراق وسوريا وتركيا وإيران منفصلة عن بعضها، وبرعاية تركية، يجعل من أنقرة الوكيل الحصري للولايات المتحدة والغرب في المنطق
المصدر :
محمد نور الدين
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة