يتزايد الجدل في الولايات المتحدة حول السياسة المتبعة بشأن سوريا، خصوصاً في ظل كثرة المزاعم باستخدام أسلحة كيميائية، فيما الرئيس الأميركي باراك أوباما ليس في وارد، على ما يبدو، إجراء أي تغيير في مقاربته للأزمة، أقله في المدى المنظور.

ثمة ضغوط تمارس على أوباما، ليس لتدخل عسكري واسع يتردد حياله الشعب الأميركي، إنما لتقديم دعم عسكري أكثر فاعلية لمقاتلي المعارضة السورية. وفي هذا الإطار، جاءت زيارة السيناتور الجمهوري جون ماكين، المفاجئة قبل يومين، إلى سورية حيث التقى قادة مسلحين، وسط تغطية إعلامية.

غير أن المحللين يتفقون على أن خطوات مماثلة لا تتعدى كونها محاولات ضغط ليس لها تأثير جدي على سياسة واشنطن. وأيضاً في سياق الضغوط على أوباما، وافقت لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس، الأسبوع الماضي، على مشروع قانون لتسليح وتدريب مجموعات من المعارضة المسلحة بعد «تقييم دقيق» لها. إلا أن مشروع القرار يسمح ولا يفرض على الإدارة تسليح المعارضة، وعليه أن يحصل على تأييد مجلس الشيوخ ككل ثم مجلس النواب.

يبقى الخيار المفضل لدى واشنطن في التعامل مع الأزمة السورية هو «الحل الديبلوماســـي»، بحسب آري راتنر الباحث في «مشــــروع ترومان للأمن القومي» المستشار الســــابق لشؤون الشــــرق الأوســــط في وزارة الخارجية بإدارة أوباما.

وفي حديث لـ«السفير»، أوضح راتنر أن «العمل جار في الإدارة الأميركية لمراجعة الخيارات الأخرى المتاحة وتقييمها، لكن التغيير سيتم بالكثير من التمهل والحذر ما لم يطرأ أي تطور مفاجئ كحصول شيء فظيع»، موضحاً انه إذا ثبت استخدام أسلحة كيميائية في سوريا، فستتغير السياسة الأميركية بسرعة.

يشار إلى أن الحكومة السورية والمعارضة تتبادلان الاتهامات حول استخدام هذه الأسلحة. وحصل تطور لافت في هذا الخصوص، قبل أيام، إذ نشرت صحيفة «لوموند» شهادة اثنين من مراسليها كانا مع المسلحين داخل دمشق وحولها لمدة شهرين، وقالا إنهما شهدا هجمات بأسلحة كيميائية. وتقوم السلطات الفرنسية بتحليل العينات التي تسلمتها منهما. وكانت منظمة الأمم المتحدة لحظر الأسلحة الكيميائية أكدت سابقاً أنها لن تقوم بفحص عينات لم يجمعها مفتشوها.

وبرأي راتنر، في حال قالت باريس إن نتائج الفحوص أثبتت استخدام الحكومة السورية للأسلحة الكيميائية، فإن موقف واشنطن لن يتغير لأن «التقييم الأهم هو التقييم الأميركي». يذكر أن أوباما كان قد وصف، قبل تسعة أشهر، استخدام أسلحة كيميائية في سوريا بأنه «خط أحمر».

غير أن المنتقدين لسياسة أوباما يعتبرون أن هذا الخط تم تجاوزه من دون أن يحرك الرئيس ساكناً، ما يضرب مصداقية الولايات المتحدة. وفي حديث لـ«السفير»، قالت دانيال بليتكا نائبة رئيس معهد «أميركان انتربرايز» المقرب من المحافظين الجدد، «الخط الأحمر تم تخطيه مرات عديدة والرئيس لا يريد أن يفعل شيئاً. كيف سيرى الايرانيون ذلك؟». وأشارت إلى أن الرسالة التي يوجهها أوباما للعالم هي أن الولايات المتحدة «منعزلة وفي تراجع».

ويرى بعض المحللين أن العامل الإيراني هو بالتحديد ما يمنع أوباما من التدخل، ذلك أن تدخلا محدودا، إن كان بتسليح المعارضة أو إقامة حظر جوي، لن يقلب الموازين بسرعة على الأرض. وبالتالي، ستبدو الولايات المتحدة ضعيفة بنظر طهران. وبحسب هذه النظرية، فإن على الولايات المتحدة أن تدخل بكل ثقلها في الحرب، وهذا ما قد يغرقها في مستنقع شبيه بما اختبرته في العراق، أو لا تتدخل على الإطلاق، تفادياً لكسر هيبتها.

وفي مقال نشرته «نيويورك تايمز» أمس الأول، كتب راي تاكي، الباحث في «مجلس العلاقات الخارجية»، انه لا يوجد «حل سهل أو أرضية وسطية». واعتبر أن نظرية التدخل المحدود بهدف إقناع إيران أن واشنطن جادة في ما يتعلق بخطوطها الحمر، «قد يقنعهم على العكس أن برنامجهم النووي في مأمن من رد أميركي».

وسط كل هذا الجدل، تواصل إدارة أوباما التحضير لعقد مؤتمر «جنيف 2» بشأن سوريا، بالتعاون مع روسيا، بهدف التوصل إلى حل تفاوضي للنزاع. لكن بليتكا ترى الأمور من منظار مختلف، وتقول إن «أي رئيس يعتمد على حسن نيات (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين في انتهاج سيــــاسة خارجيـــة لمصلحة الديموقراطية، غير منطقي».

من جهته، يقول يزيد صايغ، الباحث في «مركز كارنيغي للشرق الأوسط» في بيروت، لـ«السفير» إن إدارة أوباما تعلم أنه لا يمكن التوصل إلى اتفاق في «جنيف 2» سوى بالقبول بشرط روسيا وإيران وهو بقاء الرئيس السوري بشار الأسد في منصبه إلى نهاية ولايته وترشحه من جديد إن حصلت انتخابات. ويؤكد أنه «لا يوجد اتفاق مطروح إلا هذا الاتفاق، وهو رجوع إلى الموقف الذي اتخذته روسيا منذ عام في جنيف». ويشير إلى أن الإدارة الأميركية «لن تفعل أكثر من ذلك لسوريا وهذا ما تقوله للمعارضة»، لافتاً إلى احتمال فشل المؤتمر.

وبرأي صايغ، فإن موقف الرئيس الأميركي «متناقض من الأساس» في ما يتعلق بالأزمة، لأن «سوريا ليست أولوية لإدارة أوباما بل موضوع جانبي، فأولويتها الأساسية في مكان آخر وهو الملف النووي الإيراني».

  • فريق ماسة
  • 2013-05-29
  • 3404
  • من الأرشيف

أوباما والضغوط الداخلية المتصاعدة: التورط في سورية أو القبول بحل روسي

يتزايد الجدل في الولايات المتحدة حول السياسة المتبعة بشأن سوريا، خصوصاً في ظل كثرة المزاعم باستخدام أسلحة كيميائية، فيما الرئيس الأميركي باراك أوباما ليس في وارد، على ما يبدو، إجراء أي تغيير في مقاربته للأزمة، أقله في المدى المنظور. ثمة ضغوط تمارس على أوباما، ليس لتدخل عسكري واسع يتردد حياله الشعب الأميركي، إنما لتقديم دعم عسكري أكثر فاعلية لمقاتلي المعارضة السورية. وفي هذا الإطار، جاءت زيارة السيناتور الجمهوري جون ماكين، المفاجئة قبل يومين، إلى سورية حيث التقى قادة مسلحين، وسط تغطية إعلامية. غير أن المحللين يتفقون على أن خطوات مماثلة لا تتعدى كونها محاولات ضغط ليس لها تأثير جدي على سياسة واشنطن. وأيضاً في سياق الضغوط على أوباما، وافقت لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس، الأسبوع الماضي، على مشروع قانون لتسليح وتدريب مجموعات من المعارضة المسلحة بعد «تقييم دقيق» لها. إلا أن مشروع القرار يسمح ولا يفرض على الإدارة تسليح المعارضة، وعليه أن يحصل على تأييد مجلس الشيوخ ككل ثم مجلس النواب. يبقى الخيار المفضل لدى واشنطن في التعامل مع الأزمة السورية هو «الحل الديبلوماســـي»، بحسب آري راتنر الباحث في «مشــــروع ترومان للأمن القومي» المستشار الســــابق لشؤون الشــــرق الأوســــط في وزارة الخارجية بإدارة أوباما. وفي حديث لـ«السفير»، أوضح راتنر أن «العمل جار في الإدارة الأميركية لمراجعة الخيارات الأخرى المتاحة وتقييمها، لكن التغيير سيتم بالكثير من التمهل والحذر ما لم يطرأ أي تطور مفاجئ كحصول شيء فظيع»، موضحاً انه إذا ثبت استخدام أسلحة كيميائية في سوريا، فستتغير السياسة الأميركية بسرعة. يشار إلى أن الحكومة السورية والمعارضة تتبادلان الاتهامات حول استخدام هذه الأسلحة. وحصل تطور لافت في هذا الخصوص، قبل أيام، إذ نشرت صحيفة «لوموند» شهادة اثنين من مراسليها كانا مع المسلحين داخل دمشق وحولها لمدة شهرين، وقالا إنهما شهدا هجمات بأسلحة كيميائية. وتقوم السلطات الفرنسية بتحليل العينات التي تسلمتها منهما. وكانت منظمة الأمم المتحدة لحظر الأسلحة الكيميائية أكدت سابقاً أنها لن تقوم بفحص عينات لم يجمعها مفتشوها. وبرأي راتنر، في حال قالت باريس إن نتائج الفحوص أثبتت استخدام الحكومة السورية للأسلحة الكيميائية، فإن موقف واشنطن لن يتغير لأن «التقييم الأهم هو التقييم الأميركي». يذكر أن أوباما كان قد وصف، قبل تسعة أشهر، استخدام أسلحة كيميائية في سوريا بأنه «خط أحمر». غير أن المنتقدين لسياسة أوباما يعتبرون أن هذا الخط تم تجاوزه من دون أن يحرك الرئيس ساكناً، ما يضرب مصداقية الولايات المتحدة. وفي حديث لـ«السفير»، قالت دانيال بليتكا نائبة رئيس معهد «أميركان انتربرايز» المقرب من المحافظين الجدد، «الخط الأحمر تم تخطيه مرات عديدة والرئيس لا يريد أن يفعل شيئاً. كيف سيرى الايرانيون ذلك؟». وأشارت إلى أن الرسالة التي يوجهها أوباما للعالم هي أن الولايات المتحدة «منعزلة وفي تراجع». ويرى بعض المحللين أن العامل الإيراني هو بالتحديد ما يمنع أوباما من التدخل، ذلك أن تدخلا محدودا، إن كان بتسليح المعارضة أو إقامة حظر جوي، لن يقلب الموازين بسرعة على الأرض. وبالتالي، ستبدو الولايات المتحدة ضعيفة بنظر طهران. وبحسب هذه النظرية، فإن على الولايات المتحدة أن تدخل بكل ثقلها في الحرب، وهذا ما قد يغرقها في مستنقع شبيه بما اختبرته في العراق، أو لا تتدخل على الإطلاق، تفادياً لكسر هيبتها. وفي مقال نشرته «نيويورك تايمز» أمس الأول، كتب راي تاكي، الباحث في «مجلس العلاقات الخارجية»، انه لا يوجد «حل سهل أو أرضية وسطية». واعتبر أن نظرية التدخل المحدود بهدف إقناع إيران أن واشنطن جادة في ما يتعلق بخطوطها الحمر، «قد يقنعهم على العكس أن برنامجهم النووي في مأمن من رد أميركي». وسط كل هذا الجدل، تواصل إدارة أوباما التحضير لعقد مؤتمر «جنيف 2» بشأن سوريا، بالتعاون مع روسيا، بهدف التوصل إلى حل تفاوضي للنزاع. لكن بليتكا ترى الأمور من منظار مختلف، وتقول إن «أي رئيس يعتمد على حسن نيات (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين في انتهاج سيــــاسة خارجيـــة لمصلحة الديموقراطية، غير منطقي». من جهته، يقول يزيد صايغ، الباحث في «مركز كارنيغي للشرق الأوسط» في بيروت، لـ«السفير» إن إدارة أوباما تعلم أنه لا يمكن التوصل إلى اتفاق في «جنيف 2» سوى بالقبول بشرط روسيا وإيران وهو بقاء الرئيس السوري بشار الأسد في منصبه إلى نهاية ولايته وترشحه من جديد إن حصلت انتخابات. ويؤكد أنه «لا يوجد اتفاق مطروح إلا هذا الاتفاق، وهو رجوع إلى الموقف الذي اتخذته روسيا منذ عام في جنيف». ويشير إلى أن الإدارة الأميركية «لن تفعل أكثر من ذلك لسوريا وهذا ما تقوله للمعارضة»، لافتاً إلى احتمال فشل المؤتمر. وبرأي صايغ، فإن موقف الرئيس الأميركي «متناقض من الأساس» في ما يتعلق بالأزمة، لأن «سوريا ليست أولوية لإدارة أوباما بل موضوع جانبي، فأولويتها الأساسية في مكان آخر وهو الملف النووي الإيراني».

المصدر : الماسة السورية/ السفير


اكتب تعليق

كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة