دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
بعد أقل من قرن على رسم حدود الشرق الأوسط وتوزيع غنائم الحرب العالمية بين بريطانيا وفرنسا، بحسب خريطة سايكس- بيكو التي أنشأت دولا وكيانات، تتعرض الخريطة القديمة اليوم لامتحان كبير بسبب الحرب الدائرة في سوريا وتداعياتها على المنطقة العربية.
فقد تجاوزت الخطة الفرنسية- البريطانية القديمة حدودا كانت معروفة وأقامت في قلب العالم العربي دولة إسرائيل. وفي بلدة القصر اللبنانية يجري امتحان هذه الخطوط ‘الوهمية’ التي أقامها سايكس- بيكو وفي مزرعة محمد الجمال حيث يقع نصف مزرعته في سوريا والنصف الآخر في لبنان.
فقد كانت هذه المزرعة ملكا لعائلته قبل قرون، أي قبل أن يأتي الأوروبيون ويقرروا مصيره ومصير المنطقة.
وتقول صحيفة ‘واشنطن بوست’ ان الجمال قد تجاهل الجبهة غير المعلمة التي تمر قريبا من بيته وكذا تجاهلت الحرب السورية المندلعة منذ ثلاثة أعوام هذه الخطوط ‘غير الواضحة’ التي تفصل البلدين، فقد تعرض الأقارب للإختطاف، وتطوع الجيران للقتال في الحرب، فيما نزلت القذائف من سوريا على البيت حيث قتلت بعض الأبقار وجرحت ثلاثة عمال، مما يعطي صورة عن الحدود التي لا تعني شيئا للطرفين.
وتنقل الصحيفة عن الجمال قوله ‘ألوم سايكس ـ بيكو على كل هذا’ في إشارة للإتفاق السري الذي وقع بين وزير خارجية فرنسا وبريطانيا عام 1916 والذي أدى كما تقول الصحيفة إلى ولادة دول جديدة، وقطعت الحدود بين بيوت وعائلات وكان مصدرا لكل المشاكل وعدم الإستقرار الذي يعاني منه الشرق الأوسط. وتضيف الصحيفة. وتعاني الحدود التي رسمت قبل أقل من قرن ‘فالحرب في سوريا تنتشر عدواها للعراق ولبنان وتركيا والأردن وإسرائيل حيث تغمر مناطق ظلت لقرون تنتمي لأمة واحدة وتجاوزت حياتهم ومعتقداتهم فكرة الدولة الوطنية’.
وتشير الصحيفة إلى أن أبناء السنة من كل أنحاء المنطقة يتدفقون لسوريا للقتال إلى جانب المقاتلين السنة والجماعات التي تتبنى أفكارا متطرفة. وفي الوقت نفسع يتدفق الشيعة من نفس الأقطار للدفاع عن الرئيس بشار الأسد، مما يضاعف من البعد الطائفي للحرب التي لم تعد تدور حول سوريا والسوريين.
تحولات سكانية
وفي الوقت الذي يدخل فيه المقاتلون والمتطوعون من السنة والشيعة لسوريا يخرج المدنيون لمناطق اللجوء حيث بلغ عددهم حتى الآن حوالي 2.3 مليون لاجئ مما يؤدي إلى تحولات في طبيعة المجتمعات.
ويترك وصول اللاجئين على السكان أثرا لا رجعة فيه. وتنقل الصحيفة عن الزعيم الدرزي وليد جنبلاط ‘من لبنان إلى إيران لم تعد الحدود قائمة’، مضيفا ‘من الناحية الرسمية لا تزال قائمة، ولكن هل ستظل كما هي بعد سنوات قليلة؟ واذا استمرت عمليات الإقتلاع فسينهار كل الشرق الأوسط’.
ومع أن أحدا لا يتوقع اختفاء الحدود الجغرافية القائمة بين الدولة العربية بين ليلة وضحاها، أو حتى يتم رسمها من جديد بسبب الأحداث الجارية في المنطقة لكن لقاء الدول المعنية بالأزمة السورية في سويسرا الشهر المقبل سيكون له شأن على مستقبل سوريا والمنطقة العربية ‘فهذه اللحظة سيكون لها أثرها العميق على المنطقة مثل ما حدث بعد نهاية الحرب العالمية الأولى حيث ولدت دول المنطقة، كما يقول فواز جرجس، الباحث في جامعة لندن للإقتصاد.
الحرب السورية خلطت الأوراق
وتقول الصحيفة إن الحرب الأهلية في سوريا قد شوشت الخريطة القديمة بالفعل، خالقة جبهات جديدة تقترب أكثر من المجتمعات التي تعيش فيها.
ففي سوريا ترتفع الآن أربع رايات وتعبر عن الطوائف والمجتمعات والهويات والولاءات التي تتنافس فيها وكشفت عنها الحرب.
وستعمل هذه على زيادة التشرذم في الدولة القائمة أو قد تعززه مما يطمس خطوط الإنقسام بينها.
ويقول جرجس ‘كل شيء الآن هو محل مساءلة ومن الصعوبة بمكان التكهن’ فيما ستؤول إليه الأمور ‘ولكن ما نراه الآن هو أن نظام الدول في الشرق الأوسط والتي انشئت بعد الحرب العالمية الأولى يتداعى’.
ومع أن الشرق الأوسط الذي نشأ من ركام الدولة العثمانية لا يشبه كثيرا خريطة سايكس- بيكو لكن الدبلوماسيين الفرنسي والبريطاني لا يزالان يحملان المسؤولية وموضوعا للنقمة من سكان المنطقة، ذلك أن الخطة قضت على آمال الإستقلال العربي وإنشاء دولة عربية واحدة، وبدلا من ذلك استعمرت بريطانيا العراق وفلسطين والأردن فيما سيطرت فرنسا على لبنان وسوريا، ولم ترض الأخيرة عن لبنان الذي اعتبرته امتدادا لسوريا الطبيعية.
حدود طائفية
وتشير الصحيفة إلى القرى التي تم قطعها من سوريا وهي القصر والقرى الزراعية في الهرمل والتي تعيش فيها الطائفة الشيعية حيث تعلق صور الأسد والإمام الخميني وحسن نصر الله، فيما تم لصق صور المقاتلين على واجهات المحلات وهم الذين قتلوا دفاعا عن الأسد في سوريا.
وتنقل عن أحد سكان المنطقة واسمه محمد شماس′لم تكن هناك حدود أبدا ونعتبر أنفسنا أرضا واحدة’ ولكن ‘قبل فترة من الزمن جاء الفرنسيون ورسموا الحدود بيننا’.
وتقول الصحيفة إن الخطوط الحقيقية هي التي تفصل الهرمل عن بلدة عرسال السنية والتي تحولت بسبب الحرب إلى مركز للمعارضة واللاجئين السوريين. وتعج شوارعها بالمقاتلين وسيارات الإسعاف التي تحمل الجرحى من الجبهات داخل سوريا.
وتنقل عن أبو عمر، مواطن في عرسال يعمل في عيادة لعلاج الجرحى حيث قال ‘نعتبر هذا المكان سوريا أكثر منه لبنانيا’.
ولا يجرؤ أحد من أهالي عرسال السفر لقرى الشيعة في الهرمل خشية القتل أو الإختطاف ويفضل أبو عمر أخذ عائلته ليبرود التي لا تبعد كثيرا عن عرسال وشراء ما يحتاجونه منها على الرغم من القصف والمواجهات بين المقاتلين وقوات النظام.
أما الجمال وهو شيعي فيشتري كل حاجياته من حمص، ليس لأنه يخاف السفر لبقية القرى الشيعية ولكن لأن التسوق في حمص أرخص. ولا يذهب إلى عرسال ‘لأنهم كلهم تكفيريون’حسب قوله.
أكراد وموالون
بعيدا عن لبنان، هناك خطوط/ حدود مشابهة بدأت تظهر بسبب الحرب الأهلية في شرق سوريا، ففي منطقة حوض الفرات بدأت معالم دولة إسلامية تظهر وتضم إليها مناطق بين دجلة والفرات وعاصمتها الرقة، وترتفع عليها أعلام الدولة الإسلامية في العراق وسوريا ‘داعش’.
وفي منطقة شمال- شرق سوريا هناك أعلام الأكراد الذين أعلنوا الحكم الذاتي في مناطقهم، وفي منطقة الوسط يرتفع علم الحكومة السورية حيث تقوم بتعزيز سيطرتها على مناطق الوسط الممتدة من دمشق إلى الساحل.
وتشير الصحيفة إلى عملية الحراك السكاني من المناطق، فتلك التي يسيطر عليها المقاتلون يهرب منها المسيحيون والعلويون، أما التي يسيطر عليها الجيش فيهرب منها السنة باتجاه تركيا والأردن ولبنان والعراق. أما العالم الرابع فهو الذي يمثل الثورة ويلقى دعما من دول الخليج والغرب، ويسيطر المقاتلون على مناطق في الشمال وحول دمشق والغرب.
وتقول الصحيفة إنه ‘بدون دعم وتسليح فعلم الثورة يتقلص بسرعة’.
في ضوء هذا الإنقسام يلوم البعض الدولة الوطنية والنخب الحاكمة التي فشلت في إنشاء هوية تتجاوز العرق والطائفة.
ويعتقد أبو زيد وهو لاجيء من دمشق إن تقسيم سوريا يعني حربا مستمرة لأكثر من مئة عام.
وتختم الصحيفة بالقول إن التحدي الأكبر أمام مؤتمر جنيف هو التوصل لتسوية ترضي كل الأطراف وفي حالة الفشل، فالتمزق السوري يبدو محتوما. مع أن مظلة قد تنشأ مع مرور الوقت تعطي إطارا لامركزيا للحكم وتتشارك فيه أطيف المجتمع السوري ويمكن كل طرف ممارسة ثقافته وطريقته الخاصة في الحياة. ولكن هل تنتهي الحدود وتتغير، لعل من الباكر الحديث عنها فهي بالنسبة لعمدة الهرمل ‘يوتوبيا’ فالحرب هي التي ستتغير ولكنها ستظل حربا، مرة بين المسلمين والمسيحيين وأخرى بين الشيعة والسنة، او بين السنة أنفسهم. طبعا ليس هذا حلا ‘فعلى المجتمعات العثور على طريقة للعيش معا وقبل ذلك الجلوس معا.
حلب وحمى الموت
الحرب مشتعلة في سوريا منذ ثلاثة أعوام ولكن الأسبوع الماضي كان الأعنف الذي شهدته مدينة حلب.
ففي تقرير كتبه إدوارد بارك من حلب ونشره موقع ‘المونيتور’ جاء ‘إن حلب شهدت أعنف أسبوع من 32 شهرا مرت على الحرب، وقد أقول إنه الأسبوع الأكثر دموية في التاريخ الحديث، كرنفال بشع من القتل، الموت والذبح تدار على مواطنين عزل في هذه المدينة القديمة التي تعاني’.
ويقول ‘آلاف الموجات من الغزاة واللصوص الذين مروا على هذه المدينة، جاؤوا وذهبوا ولكن لم تشهد المدينة مشهدا مثل الأخير في بربريته ودمويته، ويجب أن يكون في رأس قائمة ما عانته من ألم طوال تاريخها’.
ويقول الكاتب انه اختبأ في غرفة أرضية تعود لصديق له في حي الجميلية بحلب فقد عد في يوم واحد ثماني انفجارات. مما يؤكد ما يسمعه من عبارة تدور على ألسنة كل واحد في المدينة ‘ القنابل تهطل على حلب مثل المطر’.
ويصف مشاهد الذعر التي أصابت السكان بعد كل انفجار، وخلو الشوارع المزدحمة من المارة مع الغروب، بعد أن قامت المروحيات التابعة للحكومة بطلعاتها اليومية محملة بالموت ورمت على مواقع المقاتلين الحمى التي تتكون من براميل نصفها معبأ بـ تي أن تي والنصف الآخر بعوادم السيارات والشفرات والآلات الحادة. والنتيجة التي كانت تتركها دمار وسيارات محترقة ومئات من القتلى والجرحى الذين تم نقلهم للمستشفى الذي يفتقد لكل شيء كي يكون قادرا على علاج الضحايا.
ويقول ‘الصرخات العالية والشجب، في داخل سوريا وخارجها لم يؤد للتخفيف من حدة الهجمات التي لم تترك حيا من الأحياء الواقعة تحت سيطرة المقاتلين بدون ضرر’.
و’ما يجعل الهجمات غير محتملة وبطريقة جنونية هي طبيعتها التي لا تفرق، ولا تنفع معها أسلحة المقاتلين البدائية’.
ويقول إن البعض يتكهن من أن الهجمات الجوية ما هي إلا مقدمة لهجوم بري على الأحياء الواقعة تحت سيطرة المقاتلين. كما يقول آخرون إن هدف الهجمات هو تحويل حياة السكان لجحيم بحيث يثوروا على المقاتلين ويحملونهم مسؤولية المعاناة التي يعيشونها.
المصدر :
ابراهيم درويش ـ ‘القدس العربي’
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة