باتت المعارك التي يقوم بها تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» في شمال سوريا وفي محافظة الأنبار العراقية، وتبنيه مؤخراً التفجير الإرهابي الذي وقع في الضاحية الجنوبية لبيروت، تختزل إلى حد كبير مشهد التطورات الإقليمية.

إزاء ذلك، تشير تقارير في الصحف الأجنبية إلى أنّ المشهد الممتد من المحافظات الغربية في العراق، مروراً بالشمال السوري، وصولاً إلى لبنان، يعكس التداخل العضوي للصراعات في المنطقة، وارتباطها بمسألتين: الدور الأميركي ووجهته، والمواجهة الضبابية التي تقودها السعودية في وجه «القاعدة» لقيادة الصراع في المنطقة.

وينقل تقرير، نشرته صحيفة «وال ستريت جورنال» الأميركية، عن ديبلوماسيين وخبراء اعتبارهم أنّ «توسع مدى عدم الاستقرار (في منطقة الشرق الأوسط)، يضع البيت الأبيض في مأزق ديبلوماسي متنام، حيث يسقط حلفاؤه في معسكرات متنافسة وسط اشتداد الصراع بالوكالة بين القوتين الإقليميتين إيران والسعودية». ويرى الديبلوماسيون، وفقاً للتقرير، أنّ «قدرة الولايات المتحدة على قيادة هذه الانقسامات الإقليمية ستؤثر كثيراً على المحاولات الدولية لتثبيت الاستقرار في العراق ولبنان وسوريا خلال الأشهر المقبلة».

في موازاة ذلك، يلفت تقرير نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية إلى مسألة تأثّر جارَي سوريا: العراق ولبنان، بالتطورات فيها. ويعتبر التقرير أنّ المعارك الحالية في الشمال السوري جاءت في سياق «رد فعل» على انتشار «داعش»، وأننا بتنا اليوم نشهد «حرباً ضمن الحرب» هناك. إلا أنّه يعتبر كذلك أنّ «رد الفعل» في سوريا قد يكون أتى متأخراً نظراً إلى تطورات العراق حيث سيطرت «داعش» على مناطق في الأنبار، إضافة إلى التطورات في لبنان حيث يرى التقرير أنّ هذا التنظيم «بدأ ربما في إيجاد موطئ قدم له» إثر تبنيه التفجير الأخير الذي وقع في الضاحية الجنوبية لبيروت.

وتنقل الصحيفة في تقريرها عن الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط بيتر هارلينغ قوله إنّ «قوساً من الأزمات بدأ يظهر، من العراق إلى لبنان»، ويشير إلى «تأثر المنطقة بالمأساة السورية».

ويعتبر هارلينغ أنّ «هذا القوس يتكون من صراعات متعددة تتداخل في ما بينها، وهو مطبوع بصبغة طائفية قوية جداً، حتى وإن كان لا يمكننا اختزال الوضع المشتعل حالياً باعتباره اشتباكا سنيا شيعيا». ويشير الباحث في الوقت ذاته إلى أنّ «كل هذه الأزمات تستفيد من ضعف هيكلية الدول، تآكل الحدود، تداخل المجتمعات وتراجع الالتزامات الأميركية في الشرق الأوسط».

بدوره، يلفت الكاتب في صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية جورج مالبرونو إلى أنه «منذ أشهر عدة، كانت وكالة الاستخبارات الأميركية تتخوف من نشوء محور جهادي يربط عبر الشمال السوري (المحافظات الغربية) في العراق بطرابلس في شمال لبنان».

ويضيف مالبرونو انّ التهديد أُخِذ على محمل الجد ليدفع مؤخرا بالاستخبارات الأميركية إلى «توفير معلومات للسلطات اللبنانية سمحت بتوقيف الجهادي السعودي ماجد الماجد، زعيم كتائب عبد الله عزام... الذي دخل لبنان عبر مطار بيروت بهوية مزورة آتياً من سوريا عبر الأردن»، وفقاً لمعلومات حصل عليها مالبرونو.

وأشارت «لوفيغارو» إلى أنّ الماجد «أصيب في معارك في سوريا خلال اشتباكات... وكان يجب أن يعالج في مستشفى في لبنان. وقبل وفاته، قدم معلومات ثمينة بشأن رعاته الأجانب وبشأن القنوات المالية التي كانت توفر لمجموعته تمويل العمليات. مجموعة من المعلومات اليوم باتت بين يدي الاستخبارات الأميركية».

في المقلب الآخر، يدعم هذا التداخل بين عناصر الأزمة في المنطقة، صراع آخر تقوده السعودية لتثبيت مواقعها. فتحت عنوان «المملكة العربية السعودية: مصارعة القاعدة لقيادة المنطقة»، يعتبر مركز «ستراتفور» الأميركي للدراسات الأمنية والإستراتيجية أنه «سيكون على السعودية احتواء تنظيم القاعدة إذا ما أرادت النجاح في مواجهة النفوذ الإيراني الإقليمي».

ويضيف التقرير ان «المملكة (السعودية) والشبكة الجهادية العالمية تتنافسان على الأسبقية في قيادة الصراع الطائفي في المنطقة الذي اندلع في أعقاب الربيع العربي»، مشيراً إلى أن «القاعدة» يملك القدرة حالياً على «الاستئثار» بهذه القيادة، وأن منعه من ذلك قد يبدو أمراً صعباً بالنسبة إلى الرياض.

ويعتبر «ستراتفور» أنّ وجود «القاعدة» في المنطقة يعقد الأمور بالنسبة إلى السعودية. فوفقاً للتقرير «يقوم الجهاديون من خلال رفع راية الحرب ضد طهران وحلفائها العرب بمساعدة الرياض على تقويض نفوذ (إيران)، إلا أنهم يشكلون عائقاً رئيسياً بالنسبة إلى السعوديين لأنهم يقومون بإضعاف موقع المملكة في حربها ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وبشكل أوسع، ضد إيران».

ويشير التقرير في الوقت ذاته إلى أنّ «القاعدة» يمثل تهديداً للسعودية أكبر بكثير من التهديد الذي يمثله لإيران. «فالتنظيم يرى في الصراع المذهبي الذي تقوده المملكة ضد إيران... وسيلة لتحصين موقعه في العالم السني، وهذا هو صلب المشكلة.

انطلاقا من هنا، يعتبر تقرير «ستراتفور» أنّه «لهذا السبب، تعمل الرياض بجهد لعزل فرعَي القاعدة في سوريا، أي تنظيمَي جبهة النصرة وداعش. وبإمكان المملكة أن تستغل شبكة المجموعات السلفية الجهادية المنتشرة في سوريا لتهميش القاعدة. ويصب في هذا الإطار إنشاء الجبهة الإسلامية في سوريا التي هي عبارة عن تحالف مجموعات سلفية بدأت مؤخراً بمحاربة القاعدة في الوقت ذاته الذي تحارب فيه أيضاً النظام السوري».

كذلك، يشير التقرير إلى أنه في ما يخص لبنان والعراق، «فالأمور مختلفة، إذ إن الخط الفاصل بين القاعدة والمجموعات المسلحة المتحالفة مع السعودية ضبابي، ما يجعل المملكة غير قادرة في هذين البلدين على ضمان أن لا ترفع حربها ضد إيران من سلطة القاعدة».

ويختم تقرير المركز الأميركي بأنه «لا يبدو واضحاً ما إذا كان أبناء وأحفاد مؤسس السعودية الملك عبد العزيز قادرين على تخليص أنفسهم من المتطرفين الإسلاميين بالطريقة نفسها التي قام بها الملك في عشرينيات القرن الماضي».

 

  • فريق ماسة
  • 2014-01-08
  • 3803
  • من الأرشيف

معارك «داعش» تختزل المشهد الإقليمي

باتت المعارك التي يقوم بها تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» في شمال سوريا وفي محافظة الأنبار العراقية، وتبنيه مؤخراً التفجير الإرهابي الذي وقع في الضاحية الجنوبية لبيروت، تختزل إلى حد كبير مشهد التطورات الإقليمية. إزاء ذلك، تشير تقارير في الصحف الأجنبية إلى أنّ المشهد الممتد من المحافظات الغربية في العراق، مروراً بالشمال السوري، وصولاً إلى لبنان، يعكس التداخل العضوي للصراعات في المنطقة، وارتباطها بمسألتين: الدور الأميركي ووجهته، والمواجهة الضبابية التي تقودها السعودية في وجه «القاعدة» لقيادة الصراع في المنطقة. وينقل تقرير، نشرته صحيفة «وال ستريت جورنال» الأميركية، عن ديبلوماسيين وخبراء اعتبارهم أنّ «توسع مدى عدم الاستقرار (في منطقة الشرق الأوسط)، يضع البيت الأبيض في مأزق ديبلوماسي متنام، حيث يسقط حلفاؤه في معسكرات متنافسة وسط اشتداد الصراع بالوكالة بين القوتين الإقليميتين إيران والسعودية». ويرى الديبلوماسيون، وفقاً للتقرير، أنّ «قدرة الولايات المتحدة على قيادة هذه الانقسامات الإقليمية ستؤثر كثيراً على المحاولات الدولية لتثبيت الاستقرار في العراق ولبنان وسوريا خلال الأشهر المقبلة». في موازاة ذلك، يلفت تقرير نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية إلى مسألة تأثّر جارَي سوريا: العراق ولبنان، بالتطورات فيها. ويعتبر التقرير أنّ المعارك الحالية في الشمال السوري جاءت في سياق «رد فعل» على انتشار «داعش»، وأننا بتنا اليوم نشهد «حرباً ضمن الحرب» هناك. إلا أنّه يعتبر كذلك أنّ «رد الفعل» في سوريا قد يكون أتى متأخراً نظراً إلى تطورات العراق حيث سيطرت «داعش» على مناطق في الأنبار، إضافة إلى التطورات في لبنان حيث يرى التقرير أنّ هذا التنظيم «بدأ ربما في إيجاد موطئ قدم له» إثر تبنيه التفجير الأخير الذي وقع في الضاحية الجنوبية لبيروت. وتنقل الصحيفة في تقريرها عن الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط بيتر هارلينغ قوله إنّ «قوساً من الأزمات بدأ يظهر، من العراق إلى لبنان»، ويشير إلى «تأثر المنطقة بالمأساة السورية». ويعتبر هارلينغ أنّ «هذا القوس يتكون من صراعات متعددة تتداخل في ما بينها، وهو مطبوع بصبغة طائفية قوية جداً، حتى وإن كان لا يمكننا اختزال الوضع المشتعل حالياً باعتباره اشتباكا سنيا شيعيا». ويشير الباحث في الوقت ذاته إلى أنّ «كل هذه الأزمات تستفيد من ضعف هيكلية الدول، تآكل الحدود، تداخل المجتمعات وتراجع الالتزامات الأميركية في الشرق الأوسط». بدوره، يلفت الكاتب في صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية جورج مالبرونو إلى أنه «منذ أشهر عدة، كانت وكالة الاستخبارات الأميركية تتخوف من نشوء محور جهادي يربط عبر الشمال السوري (المحافظات الغربية) في العراق بطرابلس في شمال لبنان». ويضيف مالبرونو انّ التهديد أُخِذ على محمل الجد ليدفع مؤخرا بالاستخبارات الأميركية إلى «توفير معلومات للسلطات اللبنانية سمحت بتوقيف الجهادي السعودي ماجد الماجد، زعيم كتائب عبد الله عزام... الذي دخل لبنان عبر مطار بيروت بهوية مزورة آتياً من سوريا عبر الأردن»، وفقاً لمعلومات حصل عليها مالبرونو. وأشارت «لوفيغارو» إلى أنّ الماجد «أصيب في معارك في سوريا خلال اشتباكات... وكان يجب أن يعالج في مستشفى في لبنان. وقبل وفاته، قدم معلومات ثمينة بشأن رعاته الأجانب وبشأن القنوات المالية التي كانت توفر لمجموعته تمويل العمليات. مجموعة من المعلومات اليوم باتت بين يدي الاستخبارات الأميركية». في المقلب الآخر، يدعم هذا التداخل بين عناصر الأزمة في المنطقة، صراع آخر تقوده السعودية لتثبيت مواقعها. فتحت عنوان «المملكة العربية السعودية: مصارعة القاعدة لقيادة المنطقة»، يعتبر مركز «ستراتفور» الأميركي للدراسات الأمنية والإستراتيجية أنه «سيكون على السعودية احتواء تنظيم القاعدة إذا ما أرادت النجاح في مواجهة النفوذ الإيراني الإقليمي». ويضيف التقرير ان «المملكة (السعودية) والشبكة الجهادية العالمية تتنافسان على الأسبقية في قيادة الصراع الطائفي في المنطقة الذي اندلع في أعقاب الربيع العربي»، مشيراً إلى أن «القاعدة» يملك القدرة حالياً على «الاستئثار» بهذه القيادة، وأن منعه من ذلك قد يبدو أمراً صعباً بالنسبة إلى الرياض. ويعتبر «ستراتفور» أنّ وجود «القاعدة» في المنطقة يعقد الأمور بالنسبة إلى السعودية. فوفقاً للتقرير «يقوم الجهاديون من خلال رفع راية الحرب ضد طهران وحلفائها العرب بمساعدة الرياض على تقويض نفوذ (إيران)، إلا أنهم يشكلون عائقاً رئيسياً بالنسبة إلى السعوديين لأنهم يقومون بإضعاف موقع المملكة في حربها ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وبشكل أوسع، ضد إيران». ويشير التقرير في الوقت ذاته إلى أنّ «القاعدة» يمثل تهديداً للسعودية أكبر بكثير من التهديد الذي يمثله لإيران. «فالتنظيم يرى في الصراع المذهبي الذي تقوده المملكة ضد إيران... وسيلة لتحصين موقعه في العالم السني، وهذا هو صلب المشكلة. انطلاقا من هنا، يعتبر تقرير «ستراتفور» أنّه «لهذا السبب، تعمل الرياض بجهد لعزل فرعَي القاعدة في سوريا، أي تنظيمَي جبهة النصرة وداعش. وبإمكان المملكة أن تستغل شبكة المجموعات السلفية الجهادية المنتشرة في سوريا لتهميش القاعدة. ويصب في هذا الإطار إنشاء الجبهة الإسلامية في سوريا التي هي عبارة عن تحالف مجموعات سلفية بدأت مؤخراً بمحاربة القاعدة في الوقت ذاته الذي تحارب فيه أيضاً النظام السوري». كذلك، يشير التقرير إلى أنه في ما يخص لبنان والعراق، «فالأمور مختلفة، إذ إن الخط الفاصل بين القاعدة والمجموعات المسلحة المتحالفة مع السعودية ضبابي، ما يجعل المملكة غير قادرة في هذين البلدين على ضمان أن لا ترفع حربها ضد إيران من سلطة القاعدة». ويختم تقرير المركز الأميركي بأنه «لا يبدو واضحاً ما إذا كان أبناء وأحفاد مؤسس السعودية الملك عبد العزيز قادرين على تخليص أنفسهم من المتطرفين الإسلاميين بالطريقة نفسها التي قام بها الملك في عشرينيات القرن الماضي».  

المصدر : الماسة السورية


اكتب تعليق

كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة