دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
سارعت القوى الإقليمية والدولية مباشرة بعد الأحداث الأخيرة إلى التعامل مع الواقع المستجد ما بين النهرين، بعضها درءاً للخطر عن حدودها، والبعض الآخر محاولةً لاقتناص فرصة امتلاك أوراق جديدة ضرورية في مرحلة كسر التوازنات التي تمر بها المنطقة منذ ثلاث سنوات.
السعودية: وهم ضمان الدور
تصف السعودية نشاط "داعش" في العراق بالإرهابي، وتنكر بإصرار اتهامات الحكومة العراقية لها بدعم التنظيم الذي يمتلك منذ فترة إمكانات مالية جعلته الأقوى بين الجماعات الجهادية التي تقاتل الجيش السوري منذ ثلاث سنوات.غير أن اللافت في الرد السعودي على تلك الاتهامات تختصره "النصيحة" التي وجهها وزير الخارجية سعود الفيصل للمالكي حين قال: "إذا كان لنا نصيحة للمسؤول العراقي للقضاء على الإرهاب في بلاده هو أن يتبع السياسة التي تتبعها المملكة ولا يتهمها بأنها مع الإرهاب".اتباع السياسة السعودية في مكافحة الإرهاب يدعو للتساؤل حول التمويل العلني للمنظمات الإرهابية في سوريا من قبل المملكة، في سبيل إسقاط نظام الأسد. وهل أن رسالة السعودية للمالكي تعني دعوته إلى الانخراط في رؤيتها للصراع في سوريا والمنطقة، كحلٍ يجنّب العراق خطر "داعش"؟هذه الرؤية تفترض امتلاك الرياض بواعث اطمئنان على أنها بمنأى عن خطر التنظيم، وأن حدود نشاطه لن تتسع أبعد مما هي عليه اليوم، هذا من ناحية؛ ومن ناحية أخرى تفترض أن المملكة مطمئنة لثبات نفوذها عند سنّة العراق، وعدم إحساسها بخطرٍ حقيقي من أن يسحب "داعش" ورقة العراق منها. وبالتالي، فإن وهم الشعور السعودي بالقدرة على ضبط الأمور ووقفها عند حدٍ معين، قد يؤدي إلى مخاطر لا تحمد عقباها بالنسبة للمملكة.بعيداً عن معاني الرد السعودي على الاتهامات العراقية، تبدو الأحداث العراقية الأخيرة فرصة لاستعادة الرياض قدرتها على المناورة في ساحةٍ من اثنتين كانت قد خسرتهما بانتخابات، من منطلق حاجة العراق اليوم إلى المساعدة للحفاظ على وحدته.
سوريا: الأكثر تأقلماً مع الخطر
بعد فوز الأسد في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وبالنظر إلى مسار تقدم الجيش السوري خلال العام الفائت، تبدو سوريا أكثر دول المنطقة تأقلماً مع خطر التنظيمات الإسلامية، إلى حدٍ يسمح لها بمساندة العراق في حربه ضد "داعش"، وليست الضربات الجوية التي ينفذها سلاح الجو السوري فوق الأراضي العراقية إلاً صورة غلافٍ لملف التعاون الأمني السوري-العراقي في مواجهة التنظيم المتطرف.ولا شك أن الدولتين تتقاسمان المخاطر الناتجة عن توسع حالة "داعش"، غير أن اختلاف المعطيات الداخلية عند كل منهما ربطاً بعامل الزمن مقلق للعراق أكثر مما هو لسوريا.وفي المقلب الآخر، فقد لا يكون توسيع ساحة المعركة مكسباً لداعش، بل على العكس من ذلك، فإن "حكم" الدولة الإسلامية لهذه المساحة الواسعة يشكل المسمار الأمضى في نعش التنظيم، خصوصاً وأنه بات يواجه جيشين بقدرات متنوعة براً وجواً، فضلاً عن ملامسة الأخطار حدود دول إقليمية أخرى ستسارع بدورها إلى مد يد العون لهذين الجيشين كخطوة وقائية لحماية حدودها.إلى جانب هذه المعطيات، تساعد تجربة حكم داعش في الرقة ومناطق أخرى على تسريع تلاشي أي قبول شعبي قد يكون موجوداً في العراق.وبنتيجة كل ذلك، فإن الدول الأكثر تضرراً من تمدد "داعش" اليوم هي تلك المستجدة على التعامل مع خطره، وبعضها من حلفاء واشنطن في المنطقة، ما دفع بمراكز دراسات أميركية إلى دعوة الإدارة للتعاون مع دمشق، "حتى وإن بدا ذلك غير مستساغ بالنسبة للقوى الغربية الأخرى".
الأردن: نار على حدود الحقل اليابس
تأتي الأردن في طليعة تلك الدول المهددة بخطر "داعش"، نظراً لتنامي التيارات الإسلامية فيها، وخصوصاً تلك المتطرفة منها.مراكز الأبحاث الأميركية تلمست خطر "داعش" على الأردن، فحذّر "معهد واشنطن" من استهداف وشيك للمملكة الهاشمية، "بالتزامن مع تنامي قلق الدول الغربية من ارتداد وعودة المقاتلين الاجانب لبلدانهم". ورأى المعهد ان الاردن "يعاني من تنامي التهديد .. يعززه تجذر قوى الجهاد السلفية (التي) ارسلت مقاتليها الى سوريا ويخشى عودتهم .."، فيما رأى معهد "ستراتفور" الاستخباري ان "داعش" عازم على التمدد في الأردن "البوابة الوحيدة (المطلة على البحر) للدولة الاسلامية في العراق والشام .. بالرغم من جملة قيود وعقبات ميدانية تعترض مساره،" مستنداً بذلك الى قاعدة دعم "هامة من السلفيين والجهاديين .. تمكنه من شن هجمات في الاردن متى شاء،" مقارنةً بدول أخرى إذ "لا يستطيع الانتشار في تركيا، أو التوجه إلى لبنان."بذلك، تصبح الأردن مضطرة إلى إعادة النظر بسياساتها السابقة تجاه الأزمة السورية والتنظيمات الإسلامية المشاركة فيها.
تركيا: التكتيك على حساب الاستراتيجيا
انتظرت تركيا 20 يوماً لتعلن معارضتها الشديدة لانفصال اقليم كردستان عن العراق، ولا يبدو القادة في أنقرة مستثارين إلى حدٍ كبير من خطوة "داعش". استقلال كردستان لطالما كان كابوساً يؤرق الساسة الأتراك، ولكن حسابات التكتيك السياسي تبدو مربحة لهم، وإن كان الخطر الاستراتيجي ليس أقل من خسارة تركيا لجزء من أراضيها.صحيفة " راديكال" نقلت عن حسين تشيليك نائب رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم أن تأسيس دولة كردية مستقلة في شمال العراق ليس مدعاة قلق لتركيا. ولكنها في السابق "كانت سبباً لإعلان الحرب، فالتلفظ بكلمة كردستان كان ممنوعاً، لكن في حال تقسيم العراق ويبدو أنه أمر لا مفر منه فإن الكرد هم إخوتنا". صحيفة "ميلليات" هي الأخرى تحدثت عن تغير موقف تركيا لجهة التعامل مع كردستان. الأجواء نفسها تنقلها الصحف الأميركية، حيث قالت "نيويورك تايمز" إن "الأكراد هم الحليف الأفضل لتركيا في العراق، إن لم يكن في المنطقة بأسرها"، وإن الثمرة الوحيدة لسياسات الثنائي أردوغان وأوغلو هي تمكنهما تدريجياً من "تحويل مشاعر مرارة الأتراك تجاه طموحات الاكراد إلى مصالحة وتحالف معهم في نهاية المطاف، جسّده اتفاق تصدير النفط عبر تركيا".
واشنطن وطهران: يد تصافح ويد تصارع
منذ اجتياح الولايات المتحدة للعراق عام 2003، والحديث عن "الفوضى الخلاّقة"ظن لا يتوقف. المصطلح الذي بات متداولاً حد الملل يجد ترجمته من خلال ترك تفاعلات التناقضات لطبيعتها وللوقت، حتى تنتج قوانينها الخاصة بحسب موازين القوى. واليوم وجدت واشنطن نفسها أمام فرصة لاستعادة بعض النفوذ في العراق، خصوصاً وانها تفاوض إيران في الملف النووي.ومع اقتراب "داعش" الى نحو مئة كيلومتر عن أقرب نقطة إلى الحدود الإيرانية، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام فرصة لابتزاز إيران، واستعادة جزء مما خسرته في الساحة العراقية بعد انسحاب قواتها، وعدم رضاها على سياسة المالكي تجاه الأزمة السورية.حاولت واشنطن حصر التنسيق مع إيران في تبادل المعلومات الأمنية فقط، على أن تعود هي إلى ممارسة الدور الأساسي في مساعدة العراق لمحاربة "داعش"، واللعب على عامل الوقت لابتزاز العراق أيضاً.رفضت إيران ذلك، معلنة قدرتها على محاربة الإرهاب، واستعدادها لمساندة العراق، وتدخلت سوريا عبر طلعات سلاح الجو لضرب أهداف داخل الأراضي العراقية، ما أتاح الفرصة أمام الجيش العراقي لاستعادة زمام المبادرة من جهة، وسحب ورقة الضغط هذه من يد واشنطن، التي سارعت إلى إبداء استيائها عبر وزارة الخارجية التي قالت: "لا نحبذ تدخل سوريا في العراق لإعتبارات إستراتيجية رغم الفائدة التكتيكية حالياً".إلا أن واشنطن ملزمة بمساعدة العراق بحسب الاتفاقية الأمنية بين الاثنين، والتي كان الأميركيون يتوقعون الحصول من خلالها على نظام سياسي موالٍ لهم، وبالتالي فهي اليوم مضطرة للتدخل من جهة، وقلقة من العودة إلى وحول المنطقة من جهة أخرى.الناطقة باسم الخارجية الأميركية ماري هارف أعلنت انه في الوقت الذي يشكل فيه "داعش" عدواً مشتركاً للولايات المتحدة وإيران والعراق وسوريا فإنها (الولايات المتحدة) لا تشترك مع سوريا وإيران في المصلحة الإستراتيجية.بدوره، وزير الخارجية جون كيري حاول التهرب من مسؤولية بلاده في ما وصل العراق إليه، قائلاً: "لسنا السبب في أحداث العراق.. ولن ندفع بأي قوات عسكرية".مهما يكن، فإن الولايات المتحدة ستشارك في محاربة داعش، لا مفر من ذلك، ولكن دعواتها وحليفتها بريطانيا إلى حكومة وحدة وطنية عراقية تترك الباب مفتوحاً امام عدة احتمالات، فهل ستكون هذه المشاركة إلى جانب حكومة المالكي؟ أم ينتظر الغرب تشكيل الحكومة التي طالب بها ليمد يد المساعدة؟موسكو أيضاً سارعت إلى تمتين نفوذها المتصاعد في المنطقة، أتمت صفقة طائرات مقاتلة من نوع سوخوي 25 مع العراق، وأعلنت أنها تريد علاقات جيدة مع عراقٍ موحد وقوي، كما جاء في تصريح وزير خارجيتها سيرغي لافروف لمناسبة الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الديبلوماسية بين موسكو وبغداد. غير أن موسكو لا تصدر ضجيجاً كثيراً حول أحداث العراق، ربما بسبب نجاح خطة الإشغال التي حركها الغرب في أوكرانيا، وربما أيضاً لأنها مطمئنة لفاعلية الحلفاء في الشرق الأوسط وقدرتهم على الثبات بعد الجولتين الإنتخابيتين في سوريا والعراق.
أبعد من الإقليم
لم تنفصل أحداث بلاد الشام يوماً عن أحداث مصر، وبالاتجاه المعاكس، يكون للتغيير الذي أحدثه فوز عبد الفتاح السيسي بالرئاسة المصرية أثره البالغ في التعاطي مع أحداث العراق الأخيرة.والحديث عن السيسي هنا يعني تبدل الرؤى الاستراتيجية المصرية حيال تحالفات القاهرة الدولية، ومحاولة استعادة الدور المصري القديم في المنطقة. ومن دون المبالغة بقدرة مصر اليوم على التحول إلى سياسة خارجية مستقلة وداعمة للقضايا العربية، يمكن القول إن البلاد بدأت مساراً جديداً عنوانه الإنفتاح على الجميع، وتخطي المحظورات الأميركية والإسرائيلية السابقة، من دون القطع مع واشنطن. وعليه فإن أولى نتائج هذا النسق الجديد في السياسة الخارجية المصرية يتمظهر بمسارعة كيري إلى زيارة القاهرة، بالتوازي مع تحسن علاقات الأخيرة مع كل من طهران وموسكو، ومع خطوة السيسي باتجاه الجزائر لإعادة ابتكار نواة موقف عربي قوي يكون ذخراً له في ولايته الأولى.إن خسارة مصر المتوقعة والتي لم تحدث بعد –بعيداً عن السيناريوهات السينمائية الدراماتيكية- تعني للولايات المتحدة أن هناك ضرورة كبرى لإعادة التوازن في مكان ما من الشرق الأوسط، وهذا ما يعزز أهمية الاستفادة من تمدد "داعش" لاستعادة دور مفقود لمصلحة المحور الآخر.وتزداد اهمية العلاقة المصرية الجزائرية، والتحول المصري الواعي والبطيء، بالنظر إلى الوسائل المستخدمة في المعركة على العراق، وقبله على سوريا. إن الوسيلة الأبرز بيد داعش ومحركيها هل التركيز على العصبية الطائفية، والبحث عن بيئات حاضنة للتطرف الداعشي بوجه الطوائف الأخرى في المنطقة؛ ومن الطبيعي أن يكون الترياق لهذا السم، موقف يرتكز إلى العروبة، ورفض الإنقسام والتقسيم على أساسٍ طائفي، وهذا تحديداً دور الجزائر وسوريا، ومصر وفي قلبها الأزهر، والعراق وفيه المرجعية الشيعية العليا وشيوخ السنة الذين أعلنوا منذ اللحظة الأولى مساندتهم للجيش العراقي في وجه "داعش".
استنتاجات
يحتاج العراق إلى حملة إصلاح سريع تسير بالتوازي مع استعادة الجيش زمام المبادرة في حربه مع الإرهاب، كما يحتاج إلى التركيز على استيعاب المتطوعين من كل فئات الشعب في الجيش، وعدم السماح باستهداف القوات الامنية العراقية بخطابٍ طائفي، إضافة إلى استثمار الالتفاف الديني من كافة الفئات حول المؤسسات الأمنية الرسمية.إلى جانب ذلك، لا بد من تعميق الصلات بالدول العربية التي تعاني من العدو نفسه، وفي طليعتها مصر والجزائر وسوريا، فضلاً عن التعاون مع الجهات الإقليمية والدولية صاحبة المصلحة في مواجهة التطرف وأدواته.ولا شك في ان من يدفع ثمن الأحداث الحالية في دول المنطقة هم المواطنون بالدرجة الأولى، لذلك فإنه من الاولى إشراك المواطنين ببرامج مكافحة الإرهاب على الصعد كافة، في سبيل إعادة اللحمة الضرورية للنسيج الإجتماعي في العراق والمنطقة.كما ان باستطاعة العراق الاستفادة من التهديد الذي يشكله "داعش" لدول المنطقة، والانطلاق في مرحلة جديدة من العلاقات القائمة على وحدة العدو، ما يؤدي إلى محاصرة المتطرفين، وتعرية القوى الداعمة لهم.وبما أن الخطر المتأتي عن تمدد "داعش" الأخير ليس عسكرياً وإنما هو الفتنة الطائفية التي تفسح المجال أمام احتمالات كارثية في المنطقة، فإن المعالجة الفضلى تكون بالعمل على المدى الطويل في عزل الفكر المتطرف بين شعوب المنطقة.بهذا فقط، يمكن تجنب السيناريو الدائم للأفلام الهوليودية الطويلة، حيث يفتك المستذئبون بالبشر طويلاً، ثم يأتي البطل الأميركي ليخلص البشرية منهم.إن أحداث العراق الأخيرة مرشحة لأن تشكل الحفل الختامي لما سمي بالربيع العربي، من خلال توسيع رقعة المواجهة لتستوعب تدمير الأدوات القديمة التي استخدمت خلال السنوات الثلاث التي مرت، ومنها "داعش"؛ كما هي مرشحة لأن تكون بداية مشروع تفتيتي جديد لا يستثني خطره أحداً من دول المنطقة. للحوار الإيراني-السعودي دور مركزي في اختيار إحدى الوجهتين لمسار الأحداث. أرقام الإنفاق العسكري مأخوذة من الكتاب السنوي لمعهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي عن "التسلح ونزع السلاح والأمن الدولي لعام 2013".
المصدر :
الماسة السورية/ الميادين نت
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة