إن كان المسلمون قد جافوا الإسلام ( أو غالبيتهم) فهل يعني أن الإسلام كدينٍ هو على خطأ ؟!.

  إن كان الماركسيون قد فشلوا في تطبيق الاشتراكية فهل يعني أن مبادئ ومقاصد الاشتراكية على خطأ ؟!. إن كان العرب قد فشلوا في تحرير فلسطين فهل يعني أن أهدافهم كانت خاطئة ؟!. إن كان القوميون قد تعثّروا ، أو فشلوا ، في تجسيد طموحاتهم القومية فهل يعني أن امّة العرب غير موجودة؟!. ما هذا الهراء !!.. القومية العربية حقيقة حيّة لاتحتاج إلى من يعترف بها، ولا يقلل مِن شأنها مَن ينكرها !! وإنَّ فَشَلَ تحقيق الأهداف القومية لا يُقلّل من حقيقتها ولا من قيمتها ولا من أهميتها !! وإن كان المسلمون قد فشلوا بالتمسك بأخلاق الدين الحميدة فهذا لا يلغي رسالة الإسلام السمحَة!! والأمر ينطبق على العرب والقومية العربية!!. الأهداف التي تمثِّل رسالاتٍ للأجيال المتلاحقة ، لا يمكن ربطها بممارسات وإخفاقات في هذا الوقت أو ذاك .. فهي تبقى رسالات حيَّة وخالدة على مدى الأجيال المتعاقبة !! والقومية العربية هي أكثر من رسالة خالدة ، إنها حقيقة حتمية لا يقلل من شأنها حقد الحاقدون ولا غدر الغادرون ولا مكر الماكرون ، ولا المتربّصون الذين يعيشون بين ظهراني هذه الأمة ، أو خارجها !!. جميعهم متمسّكون بقومياتهم وانتماءاتهم العرقية ولكنهم بذات الوقت يُنكرِون على العرب تمسّكهم بحبل العروبة ، التي لا تعرف التعصب ، كما هو الأمر لدى الأقوام الأخرى !! كل المُكوِّنات القومية والعُرقية التي تعيش هي والعرب فوق أرضٍ واحدةٍ وبُلدانٍ واحدةٍ ويُدافعون عنها وعن وحدة ترابها وشعوبها، وتشارك العرب في المَسار والمصير والهموم والقضايا، وتتقاسمُ معهم السرَّاء والضَّرّاء ، هم (عروبيون) ، حتى لو لم ينتموا عُرقيا لقومية العرب !! ومن هنا نقول القومية العربية بعيدة عن التعصّب والعنصرية والشوفينية !! وأن تكون عروبيٌ ليس شرطا أن تكون من قوم العرب !! فالعروبة حالة وجدانية وثقافية ونفسية وعاطفية ، فحْواها الالتزام بقضايا الأمة والغيرة عليها والدفاع عنها والتضحية في سبيلها ومجابهة خصومها وأعدائها !! مع احترام خصائص كل مُكوِّن عرقيٍّ آخرٍ !! (وكّمْ من غير العرب باتوا عروبيون أكثر من العرب) !! هذا ما قلتُهُ في اجتماع رسمي أمام الرئيس اللبناني السابق خلال لقائه مع رؤساء البعثات الدبلوماسية العربية – في مقرّ إقامته - حينما كان بزيارة رسمية إلى أبوجا (عاصمة نيجيريا) يوم الإثنين 18 / آذار 2013 !! .. وأضفتُ أن العرب أصبحوا أشدّ عداء لبعضهم بعضا من عدائهم لإسرائيل ... ثم أكملتُ حديثي عن الإرهاب وجذور ومصادر الإرهاب والثقافة التي تُغذِّي الإرهاب وضرورة استئصالها !!... وعلى مبدأ ( من برقبته شوكة فتنخزه) ، لم يُعجِب حديثي بعض سفراء الخليج الذين كانوا يوشوشون ويهمسون !!.. العرب خِلافا لكل أمم الأرض هم وحدهم من لا يتمسكون بحبل رابطهم القومي !!. أعطوني أمّة واحدة على سطح هذه البسيطة قد دعستْ على انتمائها القومي وألغتْ هذا الرابط بين أبنائها ؟!. الدول الأوروبية انخرطت في اتحاد كبير وعظيم : برلمان أوروبي ، مجلس أوروبي ، مجلس إتحاد أوروبي ، مفوضية أوروبية .... ولكن لم تبتعد أمّة أوروبية واحدة ميلّمِتر واحد عن رابطها القومي ودولتها الوطنية القومية!! فلماذا أعداء العرب والعروبة يريدوننا أن نبتعد ، نحن العرب، عن روابطنا القومية !!.. إنْ أخفقَ العرب في تحقيق إنجاز يحاكي الأمم الأوروبية ، فما هو ذنب القومية والعروبة !! وما هو ذنب الأحزاب القومية الرافعة للواء القومية العربية !!... لماذا يحق للجميع ما لا يحق للعرب ؟؟.. لماذا يحق لأردوغان أن يتمسّك بحبل (طورانيته ) أي قوميته ( وهو من حزب ديني) ولا يحق للعرب ؟؟.. لماذا يحق لكل شعوب الإتحاد السوفييتي السابق بعد تفككه أن تُقيم دولا وطنية قومية على أساس الانتماء القومي والتوليف العرقي ، ولا يحق للعرب ؟؟. حينما غضِبتْ أذربيجان من مساعي التطبيع بين تركيا وأرمينيا في العام 2010بينما مشكلتها في (ناكورنو كاراباخ) مع أرمينيا ما زالت قائمة ، ذهب أردوغان إلى (باكو) لاسترضائهم وردّد من هناك عبارة الرئيس الأذربيجاني السابق (حيدر عالييف) : أننا شعبٌ واحدٌ في بلدين !!.. هذا على الرغم من التباين المذهبي بين تركيا وأذربيجان !! فالرابط القومي لديهم هو الأساس ، وليس الرابط المذهبي !!. القومية هي الهوية على صعيد الأمم وليس الدين ، والوطن هو الهوية على صعيد الشعوب وليس الدين !! فالدين خصوصية وليس هوية ، والله لا يحاسب البشر بهويّة جماعية وإنما فُرادى ، ولا تزر وازرة وزر أخرى !!. حينما تسافر عبر العالم لا أحد يسألك : ما هو دينك ؟ يسألونك من أي بلد أنت وليس من أي دينٍ أنت !! فالبلد تعبير عن الهوية الوطنية والقومية !!. ولذا كم من الأمم تمّتْ تسمية أوطانها على اسم قوميتها : أرض الهولنديين ، أرض الإنكليز ، أرض السكوتلانديين ،أرض الآيرلنديين، أرض الألمان (باللغة الألمانية دويتش لاند)، أرض الآيسلنديين ،أرض الفنلنديين..الخ ... ألمانيا انتظرت منذ الحرب العالمية الثانية وحتى سقوط جدار برلين عام 1979 لتعود وتتوحد على أسسٍ قومية ، ومن ثم تعودُ عاصمةُ ألمانيا الموحدّة إلى برلين !!.. بعد تقسيم ألمانيا في أعقاب الحرب العالمية الثانية ، اختار الألمان الغربيون مدينة صغيرة لتكون عاصمة مؤقتة لألمانيا الغربية وهي (بون) لأنهم وضعوا نصب أعينهم منذ ذاك الوقت أن ألمانيا لا بُدَّ أن تتوحد وتعود العاصمة التاريخية (برلين) كما كانت !! وهذا ما حصل !! وكمْ دفعَتْ بون من المليارات لإعادة تأهيل وإدماج القسم الشرقي من ألمانيا !!. وعلى هذا المبدأ القومي وانطلاقاً منه تم توحيد إيطاليا في القرن التاسع عشر!! وعندما تفكّكت الإمبراطورية النمساوية - المجرية لم تصبح /ترانسلفانيا/ مستقلة ولكنها عادت وانضمت تلقائياً إلى رومانيا على أساس قومي ، وهذا ما فعلته /سيليسيا/ حيث انضمت إلى بولونيا على أساس المبدأ ذاته !!! ومن يتابع ما حصل في منطقة البلقان ومنطقة القوقاز بعد التفكك السوفييتي يدرك كيف أن أبناء كل قومٍ واحدٍ يلتف حول بعضه ويُعيد توحيد صفوفه ولمِّ شمله على أساس قومي !!!. حتى الأقاليم ذات الحكم الذاتي أو الخاص في بعض البلدان تسعى للإنفصال على أساسٍ قومي !! وتجربة اسكوتلندا ما زالت ماثلة للعيان !!. نحن العرب كلما ابتعدنا عن رابطة القومية كرابط أوّلي وأساسي يتقدم على كل ما سواه كلما ضعُفنا .. وهذا ليس تفكير عنصري كما أشرتُ بل هذا من طبيعة تكوين البشر ، الالتفاف حول الانتماء القومي !! الدين قد يتغير لدى الإنسان ولكن لا يمكن لأحد تغيير أصله وانتمائه العرقي !!!. وإن عدنا لتاريخنا في عهد الدولة العباسية في مرحلتيها في العراق ومصر نرى أن الكثير من الشعوب غير العربية التي كانت قد اعتنقت الإسلام حافظت بذات الوقت على هويتها العرقية وخصائصها القومية والثقافية ، وما زالت ، ولم تنصهر هذه الهوية مع الدخول في الإسلام ( وأكبر دليل على ذلك السلاجقة الأتراك والعثمانيين الأتراك والأكراد والفرس ، والمماليك على مختلف انتماءاتهم ، وغيرهم...) وهنا لا أريد أن أتوسع كثيراً في هذا الموضوع لأنه يحتاج لشرح وتحليل طويلين واختصاره في جزء من هذا المقال يُشوه الرأي به.. لقد وُجِدنا كعرب قبل أن توجد كل الأديان على سطح البسيطة ، فالقومية العربية أحد أبعادها الأساسية والأهم هو الإسلام وهذا نعتز ونفخر به وهو ما يجعلنا نعتبر العالم الإسلامي عمقاً للعالم العربي ونؤكد على الربط بين العروبة والإسلام ، وهذا ما تجلى بالقول المأثور : "إذا عزَّ العربُ عزَّ الإسلام وإذا ذلَّ العرب ذلَّ الإسلام". .. والرسول (ص) كان عربي ، والنُبوّة لم تفقده هذه الهوية إلا أنها أضافت بُعدا إسلامياً للهوية العربية الأصلية... ولكن بذات الوقت هناك بعدٌ مسيحيٌ لهذه القومية ولا يجوز شطبه أو تجاهله أو إنكاره .. وأبناء قومِنا العرب (المسيحيون) اعتنقوا المسيحية قبل أن يظهر الإسلام ولكن بقيت هويتهم عربية ، ولا يمكن أن يكون الرابط بِمن اعتنق الإسلام البارحة في أمريكا أقوى ممن ينتمي لبني قومي من آلاف السنين ويعيش بجانبي لمجرد أنه غير مسلم !!! فهذا لا يستقيم مع العقل ولا المنطق !!. هذه تكون أشبه بثقافة داعش العنصرية البغيضة للإسلام التي تُقسِّم البشر إلى ( مسلمين وكفّارا) ، في انتهاك سافر للقرآن الكريم ، ولقوله تعالى ( إنا خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ) .. وليس لتذبحوا البشر باسمي ، وتصادروا حقوق السماء وتحدِّدوا مِنْ عِندكَم من هو المؤمن ومن هو الكافر !! إذا ماذا تركتم ليْ في يوم الحساب ؟!. أمم الأرض المتقدّمة والمتخلِّفة ، كلها تشترك في عاطفة الانتماء لبني قومها !! وحتى القبائل في أفريقيا تتمسك بروابطها القومية وتراثها وخصائصها وتعتبرها هويتها الأولى !! فَمَنْ لم يسمع بالتوتسي والهوتو والزولو والهاوسا واليوروبا والإيبو ....الخ !! .. العروبة هي الجامع لنا وهي الحصن الحصين الحقيقي للعرب ولكل أبناء القوميات الذين يعيشون مع العرب ويقاسمونهم الأفراح والأتراح والمصير والمستقبل ، كما شاركوهم الحاضر والماضي !! فالعروبة مفهوم شامل ، واسع ، يستوعب الجميع !! ومساعي الحاقدين على العرب والعروبة لمحو هذه الهوية ، تحت أي عنوانٍ أو آيديلوجيةٍ أو ذريعةٍ ، فكأنما يسعى لمحو نسب الرسول(ص) العربي ، ومحو أمّة العرب من التاريخ ، وهذا قمة الحقد والتآمر والعنصرية !! فالانتماء للمكوِّن القومي (أو لغيره) ليس عيبا ولا تُهمَةً .. العيب والتهمة هو في (التعصُّب) !! وشتّان بين التعصُّب وبين الانتماء !!... ولذا كلما سمعتُ هؤلاء ينفثون سمومهم ضد العروبة والقومية ويطلقون عليها مفردات حقدهم، ككلمة (قومجية وقومجيين) كلما ازداد تمسكي بهما !! ومن يخجل من أصله فلا أصل له !!. وإن كان المتمسكون بروابطهم القومية هم ( قومجيون) بلغة المتهكّمين ، فيحق لنا وصف الجميع بذات المفردات : فهم أخونجيون ، أو ليبرَلْجيون ، أو علمنجيون ، أو ثورتجيون ، أو وهّبجيون ، أو إسلمجيون ، أو مُثقفجيون ، أو صحفتجيون ، أو عُثمنجيون أو قوّتجيون ، أو مُنَظّرْجِيُّون ، أو كُتّبجيون أو عَرَبجيون (نسبة لقناة العربية) أو جزّرَتْجيون ( نسبة لقناة الجزيرة) ... !!.. فلا من أحد يحقُّ له ولا يحقُّ لغيره .. فهل يقبلون بذلك؟؟. كفاكم سُخفا ... ولنُفكِّر جميعا كيف ننقذ أوطاننا ، فلا أحد يعيش بمأمن !! السفينة واحدة ولن ينجو أحد من الموت إن غرِقت!!.. علينا التمسُّك بحبل القومية والعروبة ،هما المُنقِذ والمُخلّص وليس سواهما، مع اعترافي بكل السلبيات والإخفاقات ، ولكن هذه لا يمكن أن تُلغي الانتماء والمبادئ !!. وإن كان المشروع القومي قد يبدو وكأنه أخفقَ (حتى الآن ) لأسبابٍ عديدةٍ تحتاج لدراساتٍ كثيرةٍ ، فهل تعتقدون أن المسئولية يتحمّلها فقط مَن رفَعوا لواء هذا المشروع ؟؟ كلّا ، وألف كلّا ، فالجميع يتحمّل مسئولية ذلك ، وأوّلهم من كانوا ، وما زالوا ، أعداء هذا المشروع ، سواء من داخل الوطن العربي أو من خارجِهِ !!.. ثمَّ ألَم تفشل كل مشاريع الخلافات الإسلامية على مرِّ التاريخ : الأموية (وقرأنا كيف كانت النهاية) ، العباسية، السلجوقية، الأيوبية ، المملوكية، العثمانية !!... فشَلٌ على مدى أكثر من ألف عام من دُول الخلافة ، وتمزّق وتشتّت وصراعات وانقسامات وتناحُر ومذابح وهزائم وفساد ، ويأتي من يتغنى بدولة (الخلافة) ويسعى لاستعادتها !!. ألم تفشل كل المشاريع الماركسية !!. المشروع الوحيد القابل للنجاح هو المشروع القومي ، وها هي الدول الأوروبية الوطنية القومية ماثلة أمامنا ، والإخفاق في مكانٍ ما من عُمر التاريخ ، لا يعني موت الحقيقة والحُلُم !!. اليهودُ حقّقوا حلٌمُهم القومي ( وهو مبني على أكاذيب وأساطير) بعد ثلاثة آلاف عام !! فلِمَ لا نتعلّم حتّى من أعدائنا , ونحن نبني أحلامنا على حقائق ووقائع حيّة وليس على أساطير !!..

  • فريق ماسة
  • 2014-11-08
  • 6583
  • من الأرشيف

لماذا حلالٌ على الجميع ، وحرامٌ فقط على العرب التمسّك برابطهم القومي والعروبي ....بقلم د. عبد الحميد سلوم

إن كان المسلمون قد جافوا الإسلام ( أو غالبيتهم) فهل يعني أن الإسلام كدينٍ هو على خطأ ؟!.   إن كان الماركسيون قد فشلوا في تطبيق الاشتراكية فهل يعني أن مبادئ ومقاصد الاشتراكية على خطأ ؟!. إن كان العرب قد فشلوا في تحرير فلسطين فهل يعني أن أهدافهم كانت خاطئة ؟!. إن كان القوميون قد تعثّروا ، أو فشلوا ، في تجسيد طموحاتهم القومية فهل يعني أن امّة العرب غير موجودة؟!. ما هذا الهراء !!.. القومية العربية حقيقة حيّة لاتحتاج إلى من يعترف بها، ولا يقلل مِن شأنها مَن ينكرها !! وإنَّ فَشَلَ تحقيق الأهداف القومية لا يُقلّل من حقيقتها ولا من قيمتها ولا من أهميتها !! وإن كان المسلمون قد فشلوا بالتمسك بأخلاق الدين الحميدة فهذا لا يلغي رسالة الإسلام السمحَة!! والأمر ينطبق على العرب والقومية العربية!!. الأهداف التي تمثِّل رسالاتٍ للأجيال المتلاحقة ، لا يمكن ربطها بممارسات وإخفاقات في هذا الوقت أو ذاك .. فهي تبقى رسالات حيَّة وخالدة على مدى الأجيال المتعاقبة !! والقومية العربية هي أكثر من رسالة خالدة ، إنها حقيقة حتمية لا يقلل من شأنها حقد الحاقدون ولا غدر الغادرون ولا مكر الماكرون ، ولا المتربّصون الذين يعيشون بين ظهراني هذه الأمة ، أو خارجها !!. جميعهم متمسّكون بقومياتهم وانتماءاتهم العرقية ولكنهم بذات الوقت يُنكرِون على العرب تمسّكهم بحبل العروبة ، التي لا تعرف التعصب ، كما هو الأمر لدى الأقوام الأخرى !! كل المُكوِّنات القومية والعُرقية التي تعيش هي والعرب فوق أرضٍ واحدةٍ وبُلدانٍ واحدةٍ ويُدافعون عنها وعن وحدة ترابها وشعوبها، وتشارك العرب في المَسار والمصير والهموم والقضايا، وتتقاسمُ معهم السرَّاء والضَّرّاء ، هم (عروبيون) ، حتى لو لم ينتموا عُرقيا لقومية العرب !! ومن هنا نقول القومية العربية بعيدة عن التعصّب والعنصرية والشوفينية !! وأن تكون عروبيٌ ليس شرطا أن تكون من قوم العرب !! فالعروبة حالة وجدانية وثقافية ونفسية وعاطفية ، فحْواها الالتزام بقضايا الأمة والغيرة عليها والدفاع عنها والتضحية في سبيلها ومجابهة خصومها وأعدائها !! مع احترام خصائص كل مُكوِّن عرقيٍّ آخرٍ !! (وكّمْ من غير العرب باتوا عروبيون أكثر من العرب) !! هذا ما قلتُهُ في اجتماع رسمي أمام الرئيس اللبناني السابق خلال لقائه مع رؤساء البعثات الدبلوماسية العربية – في مقرّ إقامته - حينما كان بزيارة رسمية إلى أبوجا (عاصمة نيجيريا) يوم الإثنين 18 / آذار 2013 !! .. وأضفتُ أن العرب أصبحوا أشدّ عداء لبعضهم بعضا من عدائهم لإسرائيل ... ثم أكملتُ حديثي عن الإرهاب وجذور ومصادر الإرهاب والثقافة التي تُغذِّي الإرهاب وضرورة استئصالها !!... وعلى مبدأ ( من برقبته شوكة فتنخزه) ، لم يُعجِب حديثي بعض سفراء الخليج الذين كانوا يوشوشون ويهمسون !!.. العرب خِلافا لكل أمم الأرض هم وحدهم من لا يتمسكون بحبل رابطهم القومي !!. أعطوني أمّة واحدة على سطح هذه البسيطة قد دعستْ على انتمائها القومي وألغتْ هذا الرابط بين أبنائها ؟!. الدول الأوروبية انخرطت في اتحاد كبير وعظيم : برلمان أوروبي ، مجلس أوروبي ، مجلس إتحاد أوروبي ، مفوضية أوروبية .... ولكن لم تبتعد أمّة أوروبية واحدة ميلّمِتر واحد عن رابطها القومي ودولتها الوطنية القومية!! فلماذا أعداء العرب والعروبة يريدوننا أن نبتعد ، نحن العرب، عن روابطنا القومية !!.. إنْ أخفقَ العرب في تحقيق إنجاز يحاكي الأمم الأوروبية ، فما هو ذنب القومية والعروبة !! وما هو ذنب الأحزاب القومية الرافعة للواء القومية العربية !!... لماذا يحق للجميع ما لا يحق للعرب ؟؟.. لماذا يحق لأردوغان أن يتمسّك بحبل (طورانيته ) أي قوميته ( وهو من حزب ديني) ولا يحق للعرب ؟؟.. لماذا يحق لكل شعوب الإتحاد السوفييتي السابق بعد تفككه أن تُقيم دولا وطنية قومية على أساس الانتماء القومي والتوليف العرقي ، ولا يحق للعرب ؟؟. حينما غضِبتْ أذربيجان من مساعي التطبيع بين تركيا وأرمينيا في العام 2010بينما مشكلتها في (ناكورنو كاراباخ) مع أرمينيا ما زالت قائمة ، ذهب أردوغان إلى (باكو) لاسترضائهم وردّد من هناك عبارة الرئيس الأذربيجاني السابق (حيدر عالييف) : أننا شعبٌ واحدٌ في بلدين !!.. هذا على الرغم من التباين المذهبي بين تركيا وأذربيجان !! فالرابط القومي لديهم هو الأساس ، وليس الرابط المذهبي !!. القومية هي الهوية على صعيد الأمم وليس الدين ، والوطن هو الهوية على صعيد الشعوب وليس الدين !! فالدين خصوصية وليس هوية ، والله لا يحاسب البشر بهويّة جماعية وإنما فُرادى ، ولا تزر وازرة وزر أخرى !!. حينما تسافر عبر العالم لا أحد يسألك : ما هو دينك ؟ يسألونك من أي بلد أنت وليس من أي دينٍ أنت !! فالبلد تعبير عن الهوية الوطنية والقومية !!. ولذا كم من الأمم تمّتْ تسمية أوطانها على اسم قوميتها : أرض الهولنديين ، أرض الإنكليز ، أرض السكوتلانديين ،أرض الآيرلنديين، أرض الألمان (باللغة الألمانية دويتش لاند)، أرض الآيسلنديين ،أرض الفنلنديين..الخ ... ألمانيا انتظرت منذ الحرب العالمية الثانية وحتى سقوط جدار برلين عام 1979 لتعود وتتوحد على أسسٍ قومية ، ومن ثم تعودُ عاصمةُ ألمانيا الموحدّة إلى برلين !!.. بعد تقسيم ألمانيا في أعقاب الحرب العالمية الثانية ، اختار الألمان الغربيون مدينة صغيرة لتكون عاصمة مؤقتة لألمانيا الغربية وهي (بون) لأنهم وضعوا نصب أعينهم منذ ذاك الوقت أن ألمانيا لا بُدَّ أن تتوحد وتعود العاصمة التاريخية (برلين) كما كانت !! وهذا ما حصل !! وكمْ دفعَتْ بون من المليارات لإعادة تأهيل وإدماج القسم الشرقي من ألمانيا !!. وعلى هذا المبدأ القومي وانطلاقاً منه تم توحيد إيطاليا في القرن التاسع عشر!! وعندما تفكّكت الإمبراطورية النمساوية - المجرية لم تصبح /ترانسلفانيا/ مستقلة ولكنها عادت وانضمت تلقائياً إلى رومانيا على أساس قومي ، وهذا ما فعلته /سيليسيا/ حيث انضمت إلى بولونيا على أساس المبدأ ذاته !!! ومن يتابع ما حصل في منطقة البلقان ومنطقة القوقاز بعد التفكك السوفييتي يدرك كيف أن أبناء كل قومٍ واحدٍ يلتف حول بعضه ويُعيد توحيد صفوفه ولمِّ شمله على أساس قومي !!!. حتى الأقاليم ذات الحكم الذاتي أو الخاص في بعض البلدان تسعى للإنفصال على أساسٍ قومي !! وتجربة اسكوتلندا ما زالت ماثلة للعيان !!. نحن العرب كلما ابتعدنا عن رابطة القومية كرابط أوّلي وأساسي يتقدم على كل ما سواه كلما ضعُفنا .. وهذا ليس تفكير عنصري كما أشرتُ بل هذا من طبيعة تكوين البشر ، الالتفاف حول الانتماء القومي !! الدين قد يتغير لدى الإنسان ولكن لا يمكن لأحد تغيير أصله وانتمائه العرقي !!!. وإن عدنا لتاريخنا في عهد الدولة العباسية في مرحلتيها في العراق ومصر نرى أن الكثير من الشعوب غير العربية التي كانت قد اعتنقت الإسلام حافظت بذات الوقت على هويتها العرقية وخصائصها القومية والثقافية ، وما زالت ، ولم تنصهر هذه الهوية مع الدخول في الإسلام ( وأكبر دليل على ذلك السلاجقة الأتراك والعثمانيين الأتراك والأكراد والفرس ، والمماليك على مختلف انتماءاتهم ، وغيرهم...) وهنا لا أريد أن أتوسع كثيراً في هذا الموضوع لأنه يحتاج لشرح وتحليل طويلين واختصاره في جزء من هذا المقال يُشوه الرأي به.. لقد وُجِدنا كعرب قبل أن توجد كل الأديان على سطح البسيطة ، فالقومية العربية أحد أبعادها الأساسية والأهم هو الإسلام وهذا نعتز ونفخر به وهو ما يجعلنا نعتبر العالم الإسلامي عمقاً للعالم العربي ونؤكد على الربط بين العروبة والإسلام ، وهذا ما تجلى بالقول المأثور : "إذا عزَّ العربُ عزَّ الإسلام وإذا ذلَّ العرب ذلَّ الإسلام". .. والرسول (ص) كان عربي ، والنُبوّة لم تفقده هذه الهوية إلا أنها أضافت بُعدا إسلامياً للهوية العربية الأصلية... ولكن بذات الوقت هناك بعدٌ مسيحيٌ لهذه القومية ولا يجوز شطبه أو تجاهله أو إنكاره .. وأبناء قومِنا العرب (المسيحيون) اعتنقوا المسيحية قبل أن يظهر الإسلام ولكن بقيت هويتهم عربية ، ولا يمكن أن يكون الرابط بِمن اعتنق الإسلام البارحة في أمريكا أقوى ممن ينتمي لبني قومي من آلاف السنين ويعيش بجانبي لمجرد أنه غير مسلم !!! فهذا لا يستقيم مع العقل ولا المنطق !!. هذه تكون أشبه بثقافة داعش العنصرية البغيضة للإسلام التي تُقسِّم البشر إلى ( مسلمين وكفّارا) ، في انتهاك سافر للقرآن الكريم ، ولقوله تعالى ( إنا خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ) .. وليس لتذبحوا البشر باسمي ، وتصادروا حقوق السماء وتحدِّدوا مِنْ عِندكَم من هو المؤمن ومن هو الكافر !! إذا ماذا تركتم ليْ في يوم الحساب ؟!. أمم الأرض المتقدّمة والمتخلِّفة ، كلها تشترك في عاطفة الانتماء لبني قومها !! وحتى القبائل في أفريقيا تتمسك بروابطها القومية وتراثها وخصائصها وتعتبرها هويتها الأولى !! فَمَنْ لم يسمع بالتوتسي والهوتو والزولو والهاوسا واليوروبا والإيبو ....الخ !! .. العروبة هي الجامع لنا وهي الحصن الحصين الحقيقي للعرب ولكل أبناء القوميات الذين يعيشون مع العرب ويقاسمونهم الأفراح والأتراح والمصير والمستقبل ، كما شاركوهم الحاضر والماضي !! فالعروبة مفهوم شامل ، واسع ، يستوعب الجميع !! ومساعي الحاقدين على العرب والعروبة لمحو هذه الهوية ، تحت أي عنوانٍ أو آيديلوجيةٍ أو ذريعةٍ ، فكأنما يسعى لمحو نسب الرسول(ص) العربي ، ومحو أمّة العرب من التاريخ ، وهذا قمة الحقد والتآمر والعنصرية !! فالانتماء للمكوِّن القومي (أو لغيره) ليس عيبا ولا تُهمَةً .. العيب والتهمة هو في (التعصُّب) !! وشتّان بين التعصُّب وبين الانتماء !!... ولذا كلما سمعتُ هؤلاء ينفثون سمومهم ضد العروبة والقومية ويطلقون عليها مفردات حقدهم، ككلمة (قومجية وقومجيين) كلما ازداد تمسكي بهما !! ومن يخجل من أصله فلا أصل له !!. وإن كان المتمسكون بروابطهم القومية هم ( قومجيون) بلغة المتهكّمين ، فيحق لنا وصف الجميع بذات المفردات : فهم أخونجيون ، أو ليبرَلْجيون ، أو علمنجيون ، أو ثورتجيون ، أو وهّبجيون ، أو إسلمجيون ، أو مُثقفجيون ، أو صحفتجيون ، أو عُثمنجيون أو قوّتجيون ، أو مُنَظّرْجِيُّون ، أو كُتّبجيون أو عَرَبجيون (نسبة لقناة العربية) أو جزّرَتْجيون ( نسبة لقناة الجزيرة) ... !!.. فلا من أحد يحقُّ له ولا يحقُّ لغيره .. فهل يقبلون بذلك؟؟. كفاكم سُخفا ... ولنُفكِّر جميعا كيف ننقذ أوطاننا ، فلا أحد يعيش بمأمن !! السفينة واحدة ولن ينجو أحد من الموت إن غرِقت!!.. علينا التمسُّك بحبل القومية والعروبة ،هما المُنقِذ والمُخلّص وليس سواهما، مع اعترافي بكل السلبيات والإخفاقات ، ولكن هذه لا يمكن أن تُلغي الانتماء والمبادئ !!. وإن كان المشروع القومي قد يبدو وكأنه أخفقَ (حتى الآن ) لأسبابٍ عديدةٍ تحتاج لدراساتٍ كثيرةٍ ، فهل تعتقدون أن المسئولية يتحمّلها فقط مَن رفَعوا لواء هذا المشروع ؟؟ كلّا ، وألف كلّا ، فالجميع يتحمّل مسئولية ذلك ، وأوّلهم من كانوا ، وما زالوا ، أعداء هذا المشروع ، سواء من داخل الوطن العربي أو من خارجِهِ !!.. ثمَّ ألَم تفشل كل مشاريع الخلافات الإسلامية على مرِّ التاريخ : الأموية (وقرأنا كيف كانت النهاية) ، العباسية، السلجوقية، الأيوبية ، المملوكية، العثمانية !!... فشَلٌ على مدى أكثر من ألف عام من دُول الخلافة ، وتمزّق وتشتّت وصراعات وانقسامات وتناحُر ومذابح وهزائم وفساد ، ويأتي من يتغنى بدولة (الخلافة) ويسعى لاستعادتها !!. ألم تفشل كل المشاريع الماركسية !!. المشروع الوحيد القابل للنجاح هو المشروع القومي ، وها هي الدول الأوروبية الوطنية القومية ماثلة أمامنا ، والإخفاق في مكانٍ ما من عُمر التاريخ ، لا يعني موت الحقيقة والحُلُم !!. اليهودُ حقّقوا حلٌمُهم القومي ( وهو مبني على أكاذيب وأساطير) بعد ثلاثة آلاف عام !! فلِمَ لا نتعلّم حتّى من أعدائنا , ونحن نبني أحلامنا على حقائق ووقائع حيّة وليس على أساطير !!..

المصدر : الماسة السورية


اكتب تعليق

كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة