دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
كانوا يريدون لسوريا أن تسقط خلال أسابيع قليلة كما حصل في تونس وليبيا ومصر واليمن، في تكرار للسيناريو نفسه مع بعض التعديلات، إلّا أنّ حسابات الحقل لم تنطبق مع حسابات البيدر.
في تونس وليبيا ومصر واليمن ساعدت الإحتواءات السابقة للأنظمة الحاكمة من قبل الأميركيين على انهيار هذه الأنظمة بسرعة، وتمّت إعادة ضبط إيقاعها على الساعة الأميركية بإستثناء ليبيا التي لا تزال تشهد فوضى عارمة بسبب تدمير الجيش والقوات المسلّحة، ما ساعد في جعل ليبيا ساحة استقطاب لكل اشكال الفوضى والعنف وملجأً للجماعات الإرهابية بما فيها تنظيم "داعش".
في سوريا، لا احد يستطيع ان يُنكر المستوى الكبير غير المسبوق من الفوضى والدمار والإنقسام الذي نتج عن الحرب المستمرة منذ خمس سنوات، وهو أمر نعترف أنّ الجانب الأميركي استطاع تحقيقه لكنه لم يبلغ بعد اهدافه النهائية المقررة، والسبب هو المقاومة والصمود الكبير اللذان يبديهما الشعب والجيش في سوريا.
إنّ استعراض الهدف الأميركي بالتفصيل قد يحتاج لآلاف الصفحات، وهو أمر ليس وليد السنوات السابقة إنما يرجع بخلفياته الى سنة 1957 يوم تم نقل "ملف المنطقة" من البريطانيين والفرنسيين الى الأميركيين، بسبب صمود مصر بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في مواجهة العدوان الثلاثي الذي قامت به فرنسا وبريطانيا و"إسرائيل" لإخضاع مصر وعبد الناصر بعد ثورة الضباط الأحرار سنة 1952، والتي تبنّت قضية فلسطين وتحريرها وجعلتها على رأس اولوياتها وهو ما يتعارض مع اتفاقية سايكس بيكو المشؤومة لتقسيم المنطقة والتي مضى عليها مئة عام والتي نتج عنها قيام الكيان الصهيوني.
طبعًا هناك الكثير من التعديلات تمت على المشروع البديل بعد نقل الملف الى الأميركيين، وأعني به مخطط كيسنجر الذي يعتمد على رؤيا جديدة في تقسيم المنطقة على اسس مذهبية وطائفية وإثنية، ولكنني باختصار سأستعرض نتائج العبث الأميركي بالمنطقة والذي نتج عنه اتفاقية كامب ديفيد سنة 1978 وانهيار الإتحاد السوفياتي الفعلي سنة 1991 الذي سبقه اعلان الرئيس غورباتشيف "للبيريسترويكا" بين عامي 1985 و1987، ولا ننسى طبعًا توريط العراق في حرب مع ايران استمرت ثماني سنوات بين عامي 1980 و1988.
بعد اتفاقية كامب ديفيد، كانت المحطة الأبرز قيام "إسرائيل" باجتياح لبنان العام 1982، والذي نتج عنه إخراج منظمة التحرير الفلسطينية واتفاق اوسلو بين "إسرائيل" ومنظمة التحرير الفلسطينية سنة 1993، والذي تلته اتفاقية وادي عربة مع الأردن سنة 1994.
في هذه الأثناء باتت سوريا وحيدة في المواجهة، وبغياب الإتحاد السوفياتي بدأت سوريا بتوثيق علاقاتها مع ايران ودعم المقاومة اللبنانية التي شكّل حزب الله فيما بعد عامودها الفقري وأنجز عام 2000 تحرير لبنان ما عدا مزارع شبعا.
المسألة لم تنتهِ هنا، والضغط الحقيقي على سوريا بدأ بعد احتلال العراق سنة 2003 وكلنا يعرف مضمون زيارة كولن باول لسوريا ولبنان والطلب من الرئيسين بشار الأسد وإميل لحود الإنصياع للمطالب الأميركية، وأخطرها كان انهاء حزب الله والتوقف عن دعم المقاومة الفلسطينية وقطع العلاقة مع ايران، وهو ما تمّ رفضه لتبدأ المواجهة العلنية عبر اصدار قانون محاسبة سوريا في الكونغرس الأميركي عام 2004 وقرار مجلس الأمن 1559 أواخر العام 2004، ليحدث الزلزال الكبير في 9 شباط 2005 بإغتيال الرئيس رفيق الحريري واتهام سوريا وخروج الجيش السوري في 26 نيسان 2005.
كل ذلك لم يؤدِّ الى إخضاع سوريا، بل فتح المعركة على مصراعيها لتعلن غوندليزا رايس صراحة عن ولادة مشروع الشرق الأوسط الجديد في اليوم التاسع لعدوان تموز 2006 على لبنان، والذي خرجت فيه المقاومة منتصرة بعد 33 يوم من العدوان، وهو ما كانت اميركا بشكل رئيسي تريد عكسه تمامًا وكرّرته عبر الإيعاز لـ"إسرائيل" نهاية العام 2008 من خلال العدوان على غزّة لضرب البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية.
أمام هذا العجز الأميركي الإسرائيلي المدعوم من الرجعية العربية والتي اعلنت عن شراكتها علنًا مع "إسرائيل"، تمّ اتخاذ القرار بضرب سوريا مباشرة وتحويلها الى مجموعة من الإمارات المتناحرة لعشرات السنين.
وما يحصل في سوريا منذ العام 2011 ليس خافيًا على أحد من خلال التدرج في استخدام الجماعات، سواء الناشئة في سوريا أو الوافدة اليها، وخصوصًا الجماعات التابعة لتنظيم القاعدة والتي انبثق منها بشكل مباشر التنظيمين الأقوى في سوريا وهما "جبهة النصرة" التي لا تزال تعتبر ايمن الظواهري مرجعيتها، وتنظيم "داعش" الذي يحمل نفس الفكر مع طموحات وغايات مختلفة عن النصرة.
وحتى لا نكرر امورًا بينّاها سابقًا وبنظرة موضوعية واضحة، فإنّ النقلة النوعية في الميدان السوري حصلت بعد استعادة الجيش السوري والمقاومة اللبنانية السيطرة على المنطقة الممتدة من القصير شمالًا وصولًا الى يبرود، وفيما بعد مجموعة كبيرة من الإنجازات في الغوطة الشرقية وحمص واريافها وكذلك في حلب التي تشكّل هذه الأيام العقدة المفصلية في الحرب الدائرة.
وإذا ما رسمنا خطًّا بيانيًا لميزان القوى وخرائط السيطرة، لوجدنا أنّ الجيش السوري يسيطر حاليًا على الثقل الإستراتيجي للدولة، وهي المنطقة التي تضم العدد الأكبرمن السكان والقدرات وهو عامل الحسم الأساسي في أيّ حرب، وذلك بمعزل عن التفاصيل التكتية التي تحصل في جبهة حلب وريف حمص الشرقي، وهو أمر من الطبيعي أن تحدث فيه متغيرات بالنظر الى حجم المعركة واهداف القوى الداعمة للجماعات المسلحة.
بعد الدخول الروسي على خط الحرب في سوريا، كان مؤكدًا أنّ اميركا ستفتش عن آليات جديدة لإستمرار خوض الصراع، وهذا ما عملت عليه من خلال الترويج لوقف اطلاق النار وإتاحة الفرصة للجماعات المسلحة بإعادة تنظيم صفوفها، وطبعًا لم تكتفِ أميركا بوقف اطلاق النار بل عمدت الى تزويد هذه الجماعات بأسلحة وذخائر نوعية وخطط جديدة لتغيير خرائط السيطرة في حلب تحديدًا، وهو أمر تتماهى فيه اميركا مع تركيا لإعادة توجيه المفاوضات في جنيف بما يضمن لأميركا حصة فاعلة في بنية سوريا الجديدة سواء في الجسم السياسي او في الجيش والقوات المسلحة.
إنّ وصول الصراع الى هذه المرحلة وطبيعة التحالفات الموجودة والتي اصبحت واضحة وجليّة يؤشر على تصاعد حدّة المعركة التي وفّر لها اطراف الصراع كل ما يلزم من عديد بشري واسلحة وعتاد وستدور رحاها على ارض حلب واريافها وبشكل غير مسبوق، وما الخبر الذي صدر اليوم في الصحافة البريطانية عن تهديد تركيا للجماعات التابعة لها بضرورة الصمود، وأنّ الحدود التركية مغلقة بوجه اي متخاذل، إلّا دليل على معرفة تركيا واميركا طبيعة التحضيرات التي يقوم بها الجيش السوري ومعه الحلفاء لخوض المعركة رغم حصول بعض الخروقات على جبهة خان طومان.
الحليف الروسي يعتبر معركة حلب خصوصًا معركته الأساسية نظرًا للعداء الكبير بين روسيا وتركيا بسبب اسقاط الطائرة الروسية وبسبب المساندة المباشرة لإرهابيين من اصول روسية ودول من الإتحاد السوفياتي السابق، إضافةً الى أنّ المعركة تحصل في المجال الحيوي لروسيا، وبرأيي أنّ الروس يعملون في هذه الفترة على استنفاذ الأوراق السياسية والديبلوماسية ولن يقفوا كمتفرجين ازاء ما تحضره اميركا ومعها السعودية وتركيا.
ختامًا، لا شكّ أنّ الادرارة الأميركية ترغب في تحقيق انجازات ميدانية لمصلحة الجماعات المسلحة لإستثمارها في مفاوضات جنيف، وهو برأيي ما لن يتحقق لأنّ الدولة السورية التي لم تقدم تنازلات وهي في حالة اضعف سنة 2012 لن تقدم اية تنازلات سنة 2016 وهي في حالة سيطرة على الثقل الإستراتيجي للدولة، وتملك الكثير من نقاط الإرتكاز في الجانب العسكري التي تسمح لها بخوض المعارك وتحقيق متغيرات كبيرة فيها.
المصدر :
عمر معربوني
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة