دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
سنوات طوال مرت , والإعلام السوري المملوك من قبل الدولة , يتعرض لسهام النقد والتجريح من القاصي و الداني , من داخل البيت الإعلامي وخارجه . ولم نسمع تقريظاً لهذا الإعلام إلا من مسؤوليه , وزراء كانوا أم مدراء عامين أم مسؤولين , في مفاصل أخرى للمؤسسات الإعلامية السورية .
انتقاد الإعلام السوري بمؤسساته الحكومية كافة , بدأ مع بدء سريان ما أسميه "الفرمان الهمايوني " , الصادر بعد أيام قليلة من قيام ثورة الثامن من آذار , حيث ألغى هذا الفرمان كل أشكال العمل الإعلامي الخاص , بل وصادر وأمّم كل المطابع والمقرات التي كان يملكها أصحاب الوسائل الإعلامية الخاصة , من صحف ووكالات أنباء وغيرها . واعتبرها جميعا عدوة للشعب السوري وأبقى على ما كانت تملكه الدولة وقتها , من صحف وإذاعات وقناة التلفزيون العربي المؤسس أيام الوحدة , حيث أضيفت كلمة السوري تمييزاً عن التلفزيون المصري , وهذا الإنجاز بمفهوم ذلك الوقت , أسس لإعلام حكومي استمر مهيمناً على الساحة الإعلامية في سورية حتى بدايات القرن الحالي.
وحتى لا نبتعد كثيرا عن موضوعنا الساخن هذه الأيام , من حديث ملأ صفحات كثيرة على وسائل الإعلام المختلفة وعلى مواقع التواصل الاجتماعي , عن خطوة وزارة الإعلام , نحو إعادة تنظيم المؤسسات الإعلامية وهيكلتها من جديد , بما يتناسب والأوضاع الحالية الصعبة على كثير من المؤسسات الحكومية , التي تعاني ما تعاني بعد حرب إرهابية شنت على وطننا سورية, أهلكت الحجر والبشر والتي لولا صمود السوريين جميعا , بما فيهم الإعلاميين السوريين في وجهها ووجه داعميها لما بقي من سورية لا حجر
ولا بشر .
الجميع صار متاحاً له الآن أن يعبّر عن رأيه , وهذه ميزة عظيمة لم يكن يملكها آباؤنا ولا أجدادنا . ووسائل التعبير عن الرأي هذه , أتاحت الفرصة لمن يعرف أو لا يعرف أن يدلي بدلوه ويقول ما يريد , حقا كان أم باطلاً , وقبل هذا وذاك كان الإعلام مثار نقاش وحديث و" تنظير " للجميع , الكل ينتقد ويقارن ويقيّم , سواء كانت معلوماته صحيحة أم خاطئة لا فرق , وهذا برأي , حق طبيعي لكل الناس فالإعلام خدمة عامة كان وسيبقى , وأي خدمة يحق لمتلقيها إبداء الرأي بها وتقييمها , وهذا هو حال السوريين مع إعلامهم فلا تكاد تلفظ كلمة أنك تعمل بالإعلام السوري , حتى يأتيك سيل من الاتهامات والنقد والتصحيح لكل ما يقدم في الإعلام المرئي والمسموع والمطبوع . وتصبح أمام هؤلاء عاجزاً عن الدفاع وتستمع حزيناً وأنت تقول في نفسك "يلَي بيعرف بيعرف ويلَي ما بيعرف يقول كف عدس " , وهذا تماما ما يمكن به توصيف الحالة الراهنة لقرارات إعادة الهيكلة , التي يحملها على كاهله وحيداً المهندس رامز ترجمان وزير الإعلام .
هذه القرارات ليست جديدة , وهي تطرح وتناقش منذ سنوات عديدة دون أن يحزم الرأي على تنفيذها , وجوهر المشكلة الأساس هو في الأعداد الكبيرة و"الفائضة " عن الحاجة الفعلية للعاملين في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون . وقد لُحظت هذه المشكلة منذ نهايات القرن الماضي , وكانت مثار اهتمام كل وزير إعلام جاء مع بداية القرن الحالي , حيث تقدم له المشكلة بمجرد تكليفه المنصب , ليشحذ همته ويعلن أنه سيجد الحل ويعالج المشكلة , فيصدر قرارا بوقف التعيين في الهيئة , ويشكل لجنة لدراسة الموضوع وموافاته بالحلول والمقترحات. ونتيجة لظروف العمل الحكومي وما يتعرض له الوزير من ضغوطات , يغادر الوزارة وقد أضاف بخط يده موافقات على تعيين عدد كبير من العاملين الى "الفائض" الموجود قبل قدومه ( يقال والعهدة على الراوي أن أحد الوزراء الذين مروا على الوزارة , عين ما يصل الى 1500 عاملة وعامل
في الهيئة أضيفوا الى "الفائض") .وهكذا استمر الحال الى أن وصل العدد حسب ما يتم تناقله هذه الأيام , الى أكثر من 5000 شخص , نعم خمسة آلاف شخص , يتنازعون الحق في التواجد في مبنى الهيئة و"استطالاته" , والأهم أنهم يتنازعون الحق في الحصول على الرواتب والبونات والعقود وعقود الرعاية وغيرها , من موارد مالية لا يعلم بها غير الله , والراسخون في علم دهاليز هذا المبنى التاريخي الكبير.
إذاً المشكلة في إعلامنا الحكومي هو "الفائض" , وهو ليس في مؤسسات الإعلام المرئي فقط , بل إن المشكلة موجودة أيضا في بقية المؤسسات الإعلامية الأخرى. لأن الصحف الحكومية لديها أيضا , "فائض" لا يستهان به , فأي قسم في صحيفة "الثورة" أو "تشرين" , يعمل به عدة أضعاف من العدد المطلوب , القادر على إنجاز العمل بكفاءة ومهنية, أكبر بكثير من العدد الموجود , علماً أن المنتج النهائي لكلا الصحيفتين وأقصد الصحيفة, يعاني مشاكل جمة في التوزيع لأسباب ذاتية وموضوعية كثيرة , تعاني منها جميع الصحف في العالم , مع تحول القراء نحو شكل جديد من الإعلام , ونعني به الإعلام الالكتروني , الذي اجتاح الساحة ونصّب نفسه مصدراً وحيداً للمعلومة والخبر , وكل التفاصيل الأخرى في الحياة . علماً أننا ولنكون منصفين, فإن الصحافة السورية المكتوبة مرت بفترات ازدهار ورواج في سورية, احتلت فيها مكاناً هاماً لدى جمهور القراء والمتابعين , وفي الحياة السياسية والاجتماعية لسورية . لكن مشكلة "الفائض" في المؤسسات الإعلامية المقروءة, إضافة الى "وكالة سانا" , وغيرها من المؤسسات التابعة لوزارة الإعلام , غير مطروحة حالياً لأن مشكلتها أصغر بكثير من مشكلة الإعلام المرئي والمسموع . والمبالغ المخصصة لها رغم ضخامتها تذهب الى تغطية نفقات الورق والأحبار وغيرها من تكاليف مرتفعة جداً , توصل الفرق بين سعر الصحيفة وتكاليفها الى أكثر من مئتي ليرة سورية , نظراً لانعدام الدخل الإعلاني بسبب الظروف الحالية وانخفاض عائدات المباع من الصحف اليومية.
وإنصافاً للحقيقة , فإن الإعلام السوري شهد نمو مؤسسات إعلامية كبيرة كان لها دور كبير كما قلنا في تفاصيل الحياة السورية , ولكن غياب الإعلام الخاص والمنافسة الحقيقية بين وسائل إعلامية مختلفة , حولت مؤسساتنا الى أجهزة حكومية تجمع موظفين , جزء كبير منهم لا يملك الموهبة وروح الإبداع التي يتطلبها العمل في مجال الإعلام , وحوّل هؤلاء الى موظفين يداومون من الثامنة الى الثانية, ويذهبون الى بيوتهم مكتفين بحجم عمل هزيل دون ابداع أو عطاء حقيقي لمهنة سامية الأهداف . والأهم أن غياب المنافسة جعل "الشباب" يعتقدون أنه لا يوجد غيرهم على الساحة , وأنهم المصدر الوحيد للخبر والمعلومة , ولا حاجة أبداً لتطوير النفس ومتابعة المستجدات الحاصلة في مجال الإعلام وتقنيات العمل الإعلامي , فكان ذلك الجمود والتوقف في المكان , تراجعاً خطيراً جعل الجميع يسبق إعلامنا ويتفوق عليه , ويجعل الآخرين مصدراً لمعلومات وأخبار مواطننا السوري, الباحث عن الخبر والحقيقة عند هؤلاء.
ومتابعة للإنصاف , فإن العاملين في إعلامنا الوطني السوري بشقيه الرسمي والخاص, قدموا عطاءً غير محدود وجهوداً وحماساً لا يقدر بثمن, دفاعاً عن الوطن مع بدء هذه الحرب الإرهابية الظالمة على سورية وأهلها , وكانوا جنوداً حقيقيين خلدوا اسماءهم الى جانب أسماء أبطال سورية من الجيش العربي السوري وأبناء سورية الآخرين , الذين وقفوا وصمدوا ضد هجمة لا تشبه في مفاعيلها وغاياتها إلا حروب المغول والتتار والنازيين , وغيرهم من أعداء الحياة والحضارة ,ولقد قارع الإعلام السوري - بإمكانياته المحدودة مقارنة بالآخرين - هجمات الإعلام الحاقد والمأجور, ولم يضعف أمامه بل كشف تزييفه وفبركاته وكذبه , وكان عوناً للسوريين في الوصول الى الحقيقة , وكشفَ الغشاوة عن عيون الكثيرين في الداخل والخارج , الذين غسل أدمغتهم وأعماهم دجل وكذب أدوات إعلامية اشتراها ودعمها , ممولو الحرب الإرهابية على سورية.
ونختم إنصافنا للإعلام السوري بمقارنة واجبة بينه وبين مثيلاته
من مؤسسات إعلامية حكومية تملكها الدول العربية , حيث تعاني هذه المؤسسات من مشاكل أكبر وأصعب بكثير, مما تعانيه مؤسساتنا , فالفائض هناك أضعاف أضعاف ما لدينا, والمردود الذي تعطيه هذه المؤسسات أقل بكثير مما تعطيه مؤسساتنا , وحتى تكون المقارنة منصفة , فإن الداخل الى مبنى "ماسبيرو" التاريخي وهو الأخ الشقيق للتلفزيون العربي السوري , ويحتفلان بعيد ميلادهما معاً , منذ أيام الوحدة . سيتسغرب الداخل الى بهو "ماسبيرو" , الأعداد الكبيرة للداخلين والخارجين الى المبنى , وكأنك واقف في سوق الحميدية مثلاً . وعدد العاملين في اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري , يصل حسب بعض الأقوال الى أكثر من 40 ألف موظفة وموظف .وطبعاً المشكلة ذاتها تعاني منها هيئات الجزائر وتونس والسعودية ولبنان وغيرها من الهيئات الإعلامية الحكومية المماثلة.
ولكن ممن يتشكل "الفائض" لدى الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون ؟؟؟ تؤكد الإحصائيات أن أكثر من 50% من العاملين في الهيئة , هم من المهندسين المفروزين من قبل رئاسة مجلس الوزراء ومن مختلف الاختصاصات (وقد تحتاج الهيئة الى خدماتهم أو لا تحتاج) والذين يتكدس جزء هام منهم في مبنى الهيئة , بينما ينتشر الآخرون في محطات الإرسال المنتشرة على مساحة سورية , و محافظاتها كافة, وهم الذين أمنوا عبر سنوات طوال , وصول إرسال التلفزيون العربي السوري بمحطتيه الأرضيتين الى السوريين في أصقاع سورية كلها . ونعرف جميعا أن دور الإرسال التلفزيوني الأرضي قد تقلص مع ظهور الإرسال الفضائي, ولكن هذا لا ينهي أبداً دور الإرسال الأرضي الذي يحمي وطنياً , من وقاحات مالكي الأقمار الصناعية , وإنزالهم بث التلفزيون الحكومي السوري عن الأقمار . إذاً علينا أن نبحث في تقليص جزء من عدد المهندسين وايجاد أماكن عمل لهم في مؤسسات حكومية أخرى, تعمل في مجال الاتصالات مثلاً. علماً أن مهندسي الهيئة يملكون خبرات علمية وعملية كبيرة جداً , وزملاء لهم عملوا معهم يديرون هندسياً أهم المحطات التلفزيونية
العربية في الخليج العربي مثلاً, ومشهود لهم بكفاءتهم العلمية والعملية . وأظن أن عملية إعادة الإعمار ستجعلنا نحتاج في الفترة القادمة إلى الآلاف من المهندسين والفنيين ذوي الخبرات والكفاءة العملية للمساهمة في إعادة بناء الوطن .
أما الجزء الآخر من "الفائض" وهو الأهم , وهو الذي يثير زوابع كثيرة في الإعلام وفي وسائل التواصل , فهم الإعلاميون من صحفيين وصحفيات ومراسلين ومراسلات ومحررين ومحررات ومذيعين ومذيعات . إضافة الى الفنيين من مصورين ومسجلين ومخرجين ومساعديهم في مختلف مجالات العمل الإذاعي والتلفزيوني , هؤلاء يشكلون عبئاً حقيقياً على العمل , والجميع يعرف أن جزءاً هاماً من هؤلاء كما المهندسين الذين تحدثنا عنهم سابقاً لا يداومون ويقبضون رواتبهم ومكافاءاتهم وبوناتهم بداية كل شهر . والأهم أن هؤلاء من غير المداومين أكثر الناس إثارة للضجيج حول قرارات الوزارة الأخيرة , ولكن السؤال الذي يجب أن يطرح نفسه ماهي مؤهلات هؤلاء العلمية والمهنية ؟؟ وأين حصلوا على شهاداتهم وخبراتهم؟؟ للأسف نقول أن جزءاً كبيرا منهم لا يحمل أية مؤهلات علمية وأن أعلى مستوى من الشهادات لهذا الجزء منهم , هو الثانوية العامة أو الإعدادية دون أي تأهيل مهني حقيقي وأغلب من يحملون الشهادات الجامعية , ممن بقي منهم هم من خريجي كلية الآداب (جغرافيا – تاريخ – فلسفة – مكتبات ...) . وقلة قليلة تحمل إجازات في الإعلام أو الإخراج أو غيرها من علوم الإعلام الأخرى .
للأسف , ونقولها بحسرة كبيرة , ومع احترامنا وتقديرنا لكل الزملاء العاملين في الهيئة سواء في الإذاعة أو التلفزيون , ولكل أصحاب الشهادات العلمية التي ذكرناها والتي لا نبخس أصحابها أبدا تعبهم وجهدهم في التحصيل العلمي , ولكن , وهي لكن كبيرة هنا أين خريجي الإعلام بين هؤلاء ؟؟؟ ولماذا لا يشكلون إلا القلّة القليلة من العاملين في الهيئة ؟؟؟ أين المخرجين الأكاديميين؟؟ وآخر جزء ممن كانوا في مديرية الإخراج التلفزيوني في الهيئة , أحيلوا الى المعاش بعد بلوغهم سن التقاعد . أين أصحاب الكفاءات
العلمية في مختلف صنوف العمل الإذاعي والتلفزيوني ؟؟ هؤلاء للأسف وبسبب سياسات التعيين المتبعة غير موجودين ومن يلمَع منهم ويبدع في عمله , وبعد أن يتدرب لدينا يذهب الى الخارج , مانحاً خبرته ومعرفته بل وولاءه لمن يعطيه ما يعتقد, أنه حقه من الأجر والراتب . قد يقول قائل أن الإعلام لا يحتاج الشهادة المتخصصة , فهو موهبة أولاً وأخيراً؟! وهذا الكلام صحيح جزئياً وليس كلياً .لأن الإعلام اليوم أصبح تقنيات يجب أن يملك من يتعامل معها إمكانية الاستفادة من كل جزئية في هذه التقنيات , ويحق لنا في هذا المجال أن نسأل وبعيدا عن الحماسة والخبرة , كم زراً يستطيع المصور في تلفزيوننا أن يستخدم في الكاميرا التي يعمل عليها ؟؟؟ العارفون بذلك يعلمون أنه لا يستعمل أكثر من ثلث إمكانات الكاميرا , أما بقية أجزائها وميزاتها , فهو لا يعرف عنها شيئا ولا يستعملها أبداً . وهذا الأمر يمكن أن نعممه على غالبية الفنيين العاملين في التصوير والمونتاج والتسجيل والإخراج والإنتاج , وغيرها من مهن إبداعية , سواء في الإذاعة أو التلفزيون. بل حتى المحررين والمذيعين عليهم إتقان استخدام التقنيات, لأنها أصبحت جزءاً أساسياً من عملهم , وهي أشياء لا يمكن تعلمها بالخبرة أو بالوراثة , كما هو حاصل الآن في هيئتنا الموقرة, (لاحظوا أسماء العاملين في مختلف قطاعات العمل الإذاعي والتلفزيوني لدينا , لتجدوا أن الجد والابن والحفيد إضافة الى الزوجة وأقرباءها , يعملون في القسم ذاته أوفي المهنة ذاتها). حتى أن لدينا في الهيئة مهناً , لم تعد موجودة إلا عندنا فمثلاً ليس هناك الآن مذيع أو مذيعة أو مقدم نشرة أخبار , بل هو يجب أن يكون معداً ومحرراً وأحيانا مونتيراً لما يقدمه على الشاشة . واسألوا مدراء الأخبار لدينا عن بعض سندريللات شاشتنا , اللاتي تصلن قبل النشرة بخمس دقائق , ليقرأن لنا أخباراً لا يعلم إلا الله تفسيراً لبعض الأسماء فيها , دون أن ننسى الأخطاء الإملائية واللغوية خلالها.
المشكلة الكبرى التي تعانيها الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون , هي نظام الأجور الذي لا يوجد مثيل له في العالم , والذي لم تستطع
وزارة المالية بكل سطوتها ولا الهيئات التفتيشية التابعة للحكومة أن تجد حلاً لهذا النظام الفريد. إذ أن العامل في الهيئة ( وقد لا يكون عاملاً في بعض الأحيان), يقبض راتبه الشهري في موعده المحدد مثل جميع موظفي الدولة السورية , وبعدها ينتظر أن يقبض بوناته , ثم بعدها يقبض عقوده , وبعدها يقبض عقود الرعاية, وهناك أيضا مكافآت تأتي من جهات حكومية وغير حكومية , يتم تقاسمها بين المعنيين بالبرنامج الذي يخص هذه الجهة ..ولكن لا تظنوا أن هذه الجعالات الإضافية بعد الراتب تمنح لجميع العاملين.. أبداً فهي تقتصر على جزء غير كبير, من العاملين وغير العاملين في الهيئة . وهناك جزء كبير لا يقبضها ولا تعرف إليه سبيلاً . أما آلية التوزيع لهذه الجعالات فهي تحتاج الى صفحات طويلة أخرى , يصعب ايرادها هنا , لكن أهمها هو العلاقات الشخصية و الاستزلام , وغيرها من أساليب غير قانونية . فمثلا حتى يستطيع المدير, أي مدير , في الهيئة أن يحصل على حصة هامة من أجور وبونات أي برنامج في الإذاعة أو التلفزيون, اخترعوا له مصطلحا خاصاً هو الإشراف والذي نسأله هنا , إذا لم يكن عمل المدير هو الإشراف على العمل , أي عمل, فعلى ماذا يقبض راتبه الحلال ؟؟؟ أسئلة كثيرة ومريرة تطرح في هذا المجال تجعل من يحاول حل إشكالاتها كالممسك بالجمر .
وهنا يتوجب القول , أن كل ما ذكرناه سابقا لا ذنب فيه بالكامل على العاملين في الهيئة , بل هو ذنب الإدارات المتعاقبة سواء في الهيئة أو في وزارة الإعلام ,وهم الذين أوصلت عدم كفاءتهم وتساهلهم في تغطية مثل هذا الفساد , الى ما وصلنا اليه. وأدخلنا في مرحلة "الحيص والبيص" , التي يعيشها اليوم جزء هام من الإعلام السوري وفي ظل ظروف لا يمكن تصور صعوبتها بعد سنوات الحرب الظالمة .
ليس ما أوردناه أعلاه هو مجاملة لأحد أبداً , ولا هو تبرير لما يحصل ولكن هي كلمة حق نقولها للزملاء العاملين في الهيئة جميعاً , إن ما يحصل و ما سينفذ من عملية إعادة الهيكلة , ونقل
جزء ممن يمكن الاستغناء عن خدماتهم الى مؤسسات الدولة الأخرى , لن يظلم إلا القلة القليلة منكم . فما هو حاصل اليوم صنعتموه أنتم بأيديكم , وكنتم جزءاً لا يتجزأ من حالة الفساد والفوضى والترهل , التي سادت سنين طوال, كنتم شركاء بها , أخذتم منها الغُنم , وحان دفع الغُرم . مع الاحترام والتقدير الكبيرين لجهودكم وما بذلتموه من جهد وعرق وحماسة , في الدفاع عن الوطن وخدمة أبنائه . ولكن لا يمكن الاستمرار فيما نحن فيه الآن من غرق في مستنقع الترهل والفساد , وآن للهيئة أن تتعافى من أمراض حملت الدولة أعباءها سنين طوال . وقد لا يعجب الكثيرين منكم ما قيل أعلاه , ولكنكم لن تستطيعوا أن تنفوا جزءا هاما من الحقائق التي أوردناها . وبالتأكيد نكرر, أن الإدارات المتعاقبة في وزارة الإعلام والهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون , تتحمل الجزء الأكبر مما ذكر أو لم يذكر . ونختم بمقولة يعرفها الجميع أن من يريد أن يعرف الحاجة الحقيقية للهيئة من العاملين, عليه أن يأتي في يوم عطلة , حيث يستمر العمل كما هو دائما ولكنه سيلاحظ انخفاض عدد العاملين الى أقل من الثلث , وهم حقيقة من يسيّرون العمل سواء في الإذاعة أو التلفزيون في جميع الأوقات.
المصدر :
أبو إليسار الشامي
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة