دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
كثيرون هم الذين لهم مصلحة في استمرار النزف السوريّ لإضعاف الحكم، وشلّ مؤسّسات الدولة، وإرباك النظام، وتعطيل أيّ دور فاعل ومؤثر لدمشق إن على المستوى العربي أو الإقليمي أو الدولي. ولا تبدو الولايات المتّحدة منزعجة من المواجهات المستمرّة بين السلطة والمعارضة، ولا إسرائيل قطعا، ولا الاتّحاد الأوروبي، طالما إنّ النتائج والمردودات يتحمّل وزرها الشعب السوري، بالإضافة إلى الدول المموّلة التي تمدّ الانتفاضة بالدعم الكافي، والتي لها مصلحة أكيدة في حسم الأمور سريعا للحدّ من الخسائر.
ولعبت هذه الدول، خلال الأسابيع القليلة الماضيّة دورا مرجّحا لحمل الأمانة العامة لجامعة الدول العربيّة على التحرّك، وترتيب اجتماع على مستوى وزراء الخارجيّة بهدف تعريب الملفّ السوري، وتقاسم المسؤوليات والتبعات، إلّا أنّ المحاولة لم تحقّق الأهداف المرجوّة لاصطدامها بمجموعة من الأفكار المتناقضة التي تعكس خللا بنيويّا عميقا في الجامعة، والدليل أنّ الاجتماع بدلا من أن ينتهي إلى قرار واحد له أهدافه القاطعة، انتهى إلى كشف جبهات ومحاور، محور نأى بنفسه عن أيّ تدخّل بالشأن السوري الداخلي، وآخر مع التدخّل، ومع الانتفاضة، وثالث معارض. وتخندق لبنان في صفوف المعارضين.
ويأتي الأمين العام نبيل العربي إلى دمشق لينقذ مهمّة متأخرة، ظاهرها العمل على وقف العنف وإطلاق الحوار، وباطنها محاولة إنقاذ سمعة الجامعة واستمراريّتها وتجنيبها من الأخطار التي تحدق بها، وأبرزها: تجاذبات المحاور العاصفة في أرجائها، وسقوط العديد من الأنظمة بفعل الانتفاضات دون التمكّن من فرض البديل، أو اختياره أو انتخابه، واستمرار الضغط الإسرائيلي – الأميركي للإطاحة بها، والاستعاضة عنها بجامعة إقليميّة تحتل إسرائيل فيها مقعدا فاعلا ومؤثّرا. بطبيعة الحال لن يجد ضالّته في دمشق، وإن كانت الزيارة واجبا للحدّ من الخسائر إن أمكن، وهو العليم بأنّ التآكل الذي يصيب البنية السوريّة الداخليّة من شأنه أن يزيد من تفاقم الأوضاع، ويفتح كلّ الأبواب التي لا تزال لغاية الساعة مغلقة أمام شياطين الفتنة، حتى إذا ما خرجت عن حدود السيطرة، فإنّ النتائج ستكون كارثيّة، وبكلّ المعايير، وفي مختلف الاتّجاهات.
ويؤكّد بعض الذين يرصدون حراكه منذ الاجتماع الأخير لوزراء الخارجيّة بأنّ مهمته في دمشق تتصل بالمستقبل، وليس بالماضي، لأنّه لم يبقَ من ذاك الماضي سوى الذكريات البائسة بعدما نفضت دمشق يدها من البيان الختامي، ورفضت أيّ تدخّل في شؤونها الداخليّة، سواء أكان عربيّا أو أعجميّا، على أن تقبل بنوع واحد من المبادرات، كأن يتحرّك " لوبي" عربي منظّم باتّجاه الولايات المتّحدة، والدول الخمس الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن، والأمم المتحدة، والاتّحاد الأوروبّي لوقف تدخّلهم في الشؤون السوريّة الداخليّة، ودعمهم اللامح دود للانتفاضة. ولأنّها رفضت المحاولات التي قام بها أمير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني لدى طهران، ثم استضافة الدوحة مؤتمر وزراء خارجية الدول الأعضاء في لجنة المبادرة العربيّة للسلام، ثم اجتماع الجامعة، والبيان الختامي الذي صدر عنه، وتكليف العربي بمهمة عاجلة لديها (دمشق)، لأنّها رفضت كلّ هذه المحاولات، جرى التصويب عليها من قِبل قطر وبعض الدول العربيّة الأخرى لمنعها من الإمساك بزمام الأمور وفق ما تريد، وبادر الأمير حمد إلى المجاهرة بموقف من النظام السوري أكثر جرأة وتشدّدا من الموقفين السعودي والتركي، إلى حدّ أنّ الموقفين القطري والتركي يكادان أن يكونا موقفا واحدا واضحا صريحا للعمل بشتّى الوسائل لإسقاط النظام.
وتأتي زيارة العربي متزامنة بعيد زيارة رئيس لجنة الصليب الأحمر الدولي الذي استقبله الرئيس بشّار الأسد في محاولة لتدشين سياسة جوهرها إطلاع الآخرين على الواقع السوري الداخلي بالعين المجرّدة. بالطبع ليس العربي هو رئيس لجنة الهلال الأحمر، ولا هو مكلّف بمداواة الجرح السوري الداخلي من قِبل مجلس الجامعة، لكن لقاءه المرتقب مع الرئيس الأسد سيكون مماثلا من حيث نتائجه، لذلك الذي تمّ مع رئيس بعثة الصليب الأحمر الدولي، أي شرح وجهة نظر النظام من ما يجري في الداخل السوري، وفضح المبالغة المتعمدة من قبل بعض الإعلام العربي، والعمل ما أمكن لفكّ العزلة الدوليّة ولو بالحدّ الأدنى، أي تشجيع أهل الخبرة والاختصاص في معاهد الدراسات، ومجالس التخطيط الناشطة في عواصم دول القرار لزيارة دمشق كما فعل المسؤول الدولي للصليب الأحمر بهدف فتح نوافذ الحوار المغلقة والبحث عن خطّ ثالث يقود إلى التغيير بدلا من العنف من جهة، وعدم الامتثال إلى دعوات الحوار من جهة أخرى.
المصدر :
الجمهورية اللبنانية /جورج علم
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة