#
  • فريق ماسة
  • 2026-03-01
  • 1119

فيزا” في سوريا… هل يبدأ الانفتاح المالي؟

وقّعت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات اتفاقية تعاون مع شركة Visa العالمية في مقرها بمدينة سان فرانسيسكو، في خطوة تستهدف تطوير البنية التحتية الرقمية، وتعزيز الشمول المالي، وإطلاق بيئة تنظيمية تجريبية، وبناء قدرات وطنية في الأمن السيبراني، وتمكين المشاريع الصغيرة والمتوسطة من الانخراط في منظومة المدفوعات الرقمية.

في ظاهرها تبدو الاتفاقية تحديثاً تقنياً لوسائل الدفع، لكنها في جوهرها تفتح باباً أوسع يتعلق بطبيعة المرحلة الاقتصادية المقبلة هل يمكن أن يشكل التحول الرقمي في سوريا مدخلاً فعلياً لبدء مسار انفتاح مالي منظم؟

الخبير في الاقتصاد الرقمي والحكومات الذكية الدكتور محمد عمار دللول يرى أن قراءة الاتفاقية كخطوة تقنية فقط تقلل من أهميتها.موضحاً في تصريح لـ”الحرية” أن “فيزا ليست مجرد شركة بطاقات، بل شبكة مالية عالمية تعمل في أكثر من 200 دولة وتشكل جزءاً من البنية التحتية للنظام المالي الدولي”.

وبحسب دللول، فإن التعاون مع كيان بهذا الحجم يضع سوريا أمام فرصة اختبار قدرتها على الاندماج التدريجي في منظومة مالية عابرة للحدود.

ويؤكد أن الانفتاح الاقتصادي في عالم اليوم لم يعد يبدأ بالمرافئ والمعابر فقط، بل بأنظمة الدفع، ومعايير الامتثال، ومكافحة الاحتيال، وتقليص حجم الاقتصاد النقدي الموازي.

فالمستثمر المعاصر يقيس جاذبية السوق بمدى شفافية الحركة المالية، وقابلية التتبع، ومستوى الأمان السيبراني.

معيار جديد للسيادة المالية

في الاقتصاد الحديث، لم تعد السيادة المالية تُقاس فقط بحجم الاحتياطيات أو أدوات السياسة النقدية، بل بقدرة الدولة على إدارة بنيتها التحتية الرقمية وتأمين بياناتها وتنظيم تدفقات المدفوعات

.ويرى دللول أن إدخال معايير مدفوعات عالمية يشكّل اختباراً مؤسسياً بامتياز. فالتكامل مع شبكات الدفع الدولية يتطلب إطاراً تنظيمياً واضحاً، وتشريعات محدثة، وكفاءات تقنية قادرة على حماية المنظومة.

النجاح في هذا المسار يعني تعزيز الثقة داخلياً وخارجياً، أما التعثر فيكشف الحاجة إلى مراجعة أعمق.من هنا، تتحول الاتفاقية من بند تعاون تقني إلى محطة تقييم لقدرة المؤسسات على الانتقال من اقتصاد نقدي واسع إلى اقتصاد رقمي أكثر تنظيماً وشفافية.

تحوّل في الفلسفة التنظيمية

إطلاق بيئة تنظيمية تجريبية لاختبار حلول التكنولوجيا المالية قبل تعميمها يمثل خطوة لافتة في إدارة الاقتصاد الرقمي.

نموذج الـ”Regulatory Sandbox” يُعد أداة حديثة تسمح باحتضان الابتكار ضمن إطار رقابي مرن، بدلاً من إيقافه بقرارات مسبقة.

يشير دللول إلى أن هذا التوجه يعكس تحولاً في الفلسفة الاقتصادية، لكنه يشدد على أن نجاحه يرتبط بسرعة إصدار الأطر القانونية المكملة، والتنسيق الفعلي مع المصرف المركزي، وبناء كوادر قادرة على مواكبة التطورات المتسارعة في قطاع FinTech.فالاقتصاد الرقمي لا ينتظر طويلاً، وأي بطء تشريعي قد يفقد السوق فرصة اللحاق بالتحولات العالمية.

استحقاق التحديث

التحول الرقمي في سوريا سيضع القطاع المصرفي أمام مراجعة عميقة.

إدماج أنظمة دفع حديثة يتطلب تحديث البنية التقنية، وتعزيز منظومات الأمن السيبراني، ورفع معايير الامتثال.ويرى دللول أن توسيع الدفع الإلكتروني يمكن أن يسهم في إعادة جزء من السيولة إلى القنوات النظامية، ويمنح صناع القرار بيانات أدق لفهم حركة السوق، ما يعزز فعالية السياسات المالية.

لكنه يلفت إلى أن هذا المسار يحتاج إلى تبسيط الإجراءات، وخفض تكاليف الخدمات الرقمية، وتشجيع الاستخدام الواسع بين الأفراد والشركات.

تمكين المشاريع الصغيرة

التركيز على المشاريع متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة يحمل بعداً اقتصادياً مباشراً.

رقمنة مدفوعات هذه المشاريع تتيح لها بناء سجل ائتماني رقمي، وتسهل وصولها إلى التمويل، وتفتح أمامها أسواق التجارة الإلكترونية.

ويؤكد دللول أن تحريك الاقتصاد من القاعدة عبر التكنولوجيا المالية أكثر استدامة من أي تحفيز مؤقت. فكل مشروع يدخل المنظومة الرقمية يضيف طبقة من التنظيم والثقة ويعزز ثقافة التعامل المؤسسي.غير أن نجاح ذلك مرهون بانتشار الثقافة المالية الرقمية وضمان سهولة الاستخدام، حتى لا تبقى الرقمنة حكراً على شريحة محدودة.

بين التوقيع والمسار الفعلي

الاتفاقية ترسم اتجاهاً واضحاً، لكنها لا تصنع النتائج بمفردها.

التحول الرقمي في سوريا سيُقاس بمدى انتشار المدفوعات الإلكترونية، وبحجم انخراط المشاريع في المنظومة الجديدة، وبقدرة السوق على بناء ثقة تدريجية في الأدوات الرقمية.

في بعده الأوسع، يشكّل هذا التعاون اختباراً لقدرة سوريا على استخدام الأدوات الرقمية كمدخل لإعادة الاندماج في سلاسل القيمة العالمية. فشبكات الدفع لم تعد مجرد خدمات مالية، بل بنية استراتيجية تتحكم في تدفقات التجارة والاستثمار.

الرهان الحقيقي ليس في توقيع الاتفاقية، بل في تحويلها إلى مسار مؤسسي مستدام. لأن أي تأخير في التنفيذ لن يعني فقط إبطاء التحديث، بل إضاعة فرصة نادرة لإعادة إدماج الاقتصاد السوري ضمن الشبكات المالية العالمية.



المصدر : الدكتور عمار دلول /صحيفة الحرية


اكتب تعليق

كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة