#
  • فريق ماسة
  • 2026-06-17
  • 1142

العدالة لا الانتقام… المحاسبة بالقانون أساس سوريا الجديدة

بعد أكثر من عقد من الحرب والانتهاكات والاعتقالات والتغييب القسري والمجازر التي ارتكبها النظام البائد وخلّفت جراحاً عميقة، يجد السوريون أنفسهم أمام إرث ثقيل من الألم، وينتظرون اليوم أن يروا العدالة تأخذ مجراها بحق المسؤولين عن الفظائع التي ارتُكبت بحقهم.

وبين مطالب الضحايا بالمحاسبة والإنصاف، والحاجة إلى حماية السلم الأهلي، تبرز العدالة الانتقالية بوصفها المسار القانوني القادر على الجمع بين الحق والاستقرار، ووضع أسس دولة المواطنة التي لا مكان فيها للإفلات من العقاب.

وأكد خبراء وسياسيون سوريون في تصريحات لـ سانا أن هذا المسار يجب أن يتم عبر إجراءات قانونية واضحة تقوم على التحقيق وجمع الأدلة وتوثيق الوقائع، بما يضمن محاكمات عادلة، لافتين إلى أن توقيف آلاف المتورطين، وبينهم مئات الضباط، وإحالتهم إلى القضاء، يؤكدان أن مبدأ سيادة القانون هو الأساس في سوريا الجديدة.

التوثيق أساس المحاسبة

وشدد نقيب المحامين محمد علي الطويل على أن مبدأ “لا عقوبة دون دليل، ولا إدانة دون محاكمة عادلة” يمثل حجر الأساس لأي نظام قضائي عادل، إذ لا يمكن تحقيق عدالة حقيقية بالانتقام أو الاتهامات المجردة، فالمساءلة القائمة على الأدلة والإجراءات السليمة تضمن إنصاف الضحايا، وتحفظ حقوق المتهمين، وتمنح الأحكام القضائية الشرعية والمصداقية محلياً ودولياً.

وأوضح الطويل أن المحاكمات المتسرعة أو غير المستندة إلى أدلة كافية قد تؤدي إلى أحكام قابلة للطعن أو التشكيك، ما يعرّض حقوق الضحايا للانتقاص ويُضعف الثقة بمسار العدالة، فالعدالة المستدامة تتطلب التثبت والتحقيق الدقيق، لأن أي خطأ إجرائي قد يمنح الجناة فرصة للإفلات من العقاب.

وأشار إلى أن التوثيق المهني للأدلة والشهادات يشكل الركيزة الأساسية لبناء ملفات قضائية متماسكة، وأن حماية الشهود والضحايا ضرورة لضمان سلامتهم وتشجيعهم على الإدلاء بإفاداتهم بحرية، فلا عدالة انتقالية ناجحة دون أدلة موثوقة وشهود آمنين.

المصالحة الوطنية تقوم على العدالة

وأكد الطويل أن تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية يمثل خطوة مؤسسية مهمة تعكس التزام الدولة بمعالجة إرث الانتهاكات وفق رؤية قانونية شاملة، ومن المنتظر أن تعمل الهيئة باستقلالية وشفافية، وأن تنسق جهود المحاسبة وكشف الحقيقة وجبر الضرر بما يحقق المصالحة الوطنية القائمة على العدالة.

ولفت إلى أن توقيف آلاف المتورطين، بينهم عشرات الضباط من الرتب العليا، وإحالة عدد منهم إلى القضاء، يؤكدان جدية الدولة في مكافحة الإفلات من العقاب وترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون.

محاكمات علنية

واعتبر نقيب المحامين أن المحاكمات العلنية تشكل ضمانة أساسية للشفافية، إذ تتيح للرأي العام متابعة سير العدالة والتأكد من احترام حقوق جميع الأطراف، كما تعزز ثقة المواطنين بالمؤسسات القضائية، وتؤكد أن المحاسبة تتم وفق القانون لا بدافع الانتقام. وشدد على أن العدالة لا تُبنى على المسؤولية الجماعية، بل على المسؤولية الفردية القائمة على الفعل الجرمي المثبت بالأدلة، مشيراً إلى أن ربط الجرائم بأي انتماء يهدد السلم الأهلي ويعمّق الانقسامات، بينما يرسخ الفصل بينهما دولة المواطنة وسيادة القانون.

جبر ضرر الضحايا

وأوضح الطويل أن التوازن بين حق الضحايا في العدالة وضرورة حماية السلم الأهلي يتحقق عبر مسار عدالة انتقالية شامل يضمن المحاسبة المنصفة، ويرفض الانتقام والثأر، ويعزز المصالحة المجتمعية.

وأشار إلى أن المحاكمات وحدها لا تكفي لتحقيق العدالة الانتقالية، فـجبر الضرر يعيد الاعتبار للضحايا، وكشف الحقيقة يوثق الانتهاكات ويحفظ حق المجتمع في المعرفة، بينما يسهم حفظ الذاكرة الوطنية في منع الإنكار وتحصين الأجيال القادمة من تكرار المآسي.

وبيّن نقيب المحامين أن مسارات العدالة الانتقالية تحتاج عادة إلى سنوات تمتد بين 5 و15 سنة أو أكثر، تبعاً لحجم الانتهاكات وتعقيدها، فهي عملية وطنية طويلة تتطلب الصبر والإرادة السياسية والموارد الكافية.

جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم

وأكد الطويل أن مبدأ عدم سقوط جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بالتقادم أو العفو يوجه رسالة واضحة مفادها بأن العدالة ستأخذ مجراها مهما طال الزمن، وأن الإفلات من العقاب لن يكون خياراً في سوريا الجديدة.

تسريع العدالة الانتقالية

من جهته، اعتبر مدير قسم البحوث والدراسات في تيار المستقبل السوري جمعة محمد لهيب أن العدالة الانتقالية تمثل ضرورة وطنية لا يمكن تجاوزها، فهي المسار الوحيد القادر على جبر ضرر الضحايا، وكشف الحقائق، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم،

وفي الوقت ذاته تعزيز المصالحة الوطنية. وأكد أن معالجة إرث الانتهاكات التي راكمتها عقود من الاستبداد لا يمكن أن تتم إلا عبر عملية عدالة انتقالية مؤسسية ومنظمة، تضمن عدم الانزلاق نحو الانتقام أو الفوضى.

وأوضح لهيب أن الغضب الشعبي المطالب بمحاسبة المتورطين في الانتهاكات مفهوم وشرعي، لكن التحدي يكمن في التوفيق بين هذا الغضب ومتطلبات استقرار الدولة، لافتاً إلى أن الحل يتمثل في تسريع وتيرة العدالة الانتقالية عبر إجراءات قانونية واضحة، ومحاكمات علنية وعادلة لرموز النظام البائد، وهي خطوات بدأت الحكومة السورية باتخاذها، مرحباً بها ومؤكداً ضرورة استمرارها.

وشدد لهيب على أهمية التمييز بين المحاسبة السياسية التي قد تنزلق نحو الانتقام، والعدالة الجنائية التي تشكل الضمانة الحقيقية للاستقرار.

حجم الفظائع أبرز التحديات

بدوره، رأى الباحث السياسي والأستاذ الجامعي عبد الرحمن الحاج أن العدالة الانتقالية مسار مهم لكنه محفوف بتعقيدات عديدة، أبرزها حجم الفظائع المرتكبة، واتساع دائرة المشاركين فيها، وارتباطها بخطوط الانقسام المجتمعي، إضافة إلى تحديات إعادة الإعمار والتعافي

. وأوضح أن هذه العوامل تجعل مسار العدالة الانتقالية بطيئاً أو غير قادر على تلبية تطلعات الضحايا الملحة، مشيراً إلى أن التركيز على محاسبة الرؤوس الكبيرة وترك الشبيحة وفلول النظام يعيشون حياة طبيعية ساهم في تأجيج الغضب الشعبي.

ورأى الحاج أن التوفيق بين متطلبات الاستقرار والمحاسبة يتطلب الإسراع في مسار العدالة الانتقالية، مع التأكيد على أن مطالب العدالة يجب ألا تتحول إلى دعوات للانتقام، مشدداً على أن الدولة وحدها يجب أن تحتكر سلطة المحاسبة، مع ضرورة إشراك المجتمع كشريك في التخطيط والرقابة.


الآلاف في قبضة القانون

وكانت وزارة الداخلية نشرت أمس الثلاثاء إحصائية بأعداد رموز وأركان المنظومة العسكرية والأمنية للنظام البائد الذين سقطوا في قبضتها وبلغوا الآلاف، بينهم ضابط برتبة عماد، و42 لواء، و172 عميداً، و218 عقيداً، و112 برتبة مقدم، و73 برتبة رائد.

كما اعتقلت الوزارة الآلاف من مرتكبي الانتهاكات والجرائم بحق الشعب السوري، من بينهم أمجد يوسف المتهم الأول بارتكاب مجزرة التضامن، والعميد عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا عام 2011، الذي بدأت محاكمته في الـ 26 من نيسان الماضي كأول محاكمة علنية لكبار رموز النظام البائد.



المصدر : سانا


اكتب تعليق

كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة